
الصفحة الرئيسية| غرفة الأخبار | إبحث | أرشيف الأخبار| الإجهاض | كيف أعيش سرّ التوبة ؟| اليوثانيجيا | الطلاق| تراتيل| العفة|الخلايا الجذعية نقاط التكلّم | الإستنساخ|
رسالة عامة
إنجيل الحياة
Evangelium Vitea
من الحبر الأعظم
يوحنا بولس الثاني
إلى الأساقفة
والكهنة والشمامسة والرهبان والراهبات والمؤمنين العلمانيين
وإلى جميع ذوي الإرادة الصالحة في قيمة الحياة البشرية وحصانتها
1-
إنجيل الحياة هو في صميم الدعوة التي
نادى بها يسوع ، وتتلقاه الكنيسة كل
يوم لتذيعه بجرأة وأمانةٍ بشرى جديدة
لجميع الناس من كل ثقافة .
في فجر الخلاص تم ميلاد طفل أُعلن
للناس نبأً سعيداً : " إني أبشركم
بفرح عظيم يعم الشعب بأجمعه : ولد لكم
اليوم مخلص في مدينة داود ، وهو
المسيح الربّ " ( لو2، 10-11). لا شك أن
ولادة المخلص قد أتاحت فرحاً عظيماً
ولكن ، في الميلاد ، انكشف أيضاً كلُّ
مولدٍ بشري في كنهه التام ، فظهر
الفرح الماسيحاني ركيزةً وإكليلاً
للفرح الذي يرافق مولد كل طفل .(يو : 16-21)
وقد عبر يسوع عن فحوى رسالته الفادية
بقوله :"لقد جئت لتحيا الخراف
وتفيض فيها الحياة " (يو 10/10).
والواقع أنه كان يتحدث عن الحياة
الجديدة والأبدية ، وهي حياة الشركة
مع الابن وفعل الروح الذي يقدّسنا .
ففي هذه " الحياة الأبدية "
تكتسب حياة الإنسان في كل وجوهها
وظروفها ملء معناها .
الشخص البشري وقيمته الخارقة
2-
الإنسان مدعوّ إلى زاخرة تتخطىّ حدود
وجوده على الأرض لكونها اشتراكاً في
حياة الله ذاتها .
هذه الدعوة التي تفوق الطبيعة تكشف ،
بعمقها ، عظمة الحياة البشرية
وقيمتها حتى في طورها الزمني ، ولا شك
أن الحياة ، في تضاعيف هذا الزمن ، هي
شرط أساسي ومرحلة ابتدائية وجزء لا
يتجزأ من الوجود البشري في تطوّره
الكامل والمترابط . هذا التطوّر في
مسيرة الحياة يستنير ، على غير
انتظار وغير استحقاق ، بوعد الحياة
الأبدية ، ويتجدّد بموهبة هذه الحياة
الإلهية ، إلى أن يبلغ إلى ملءِ تمامه
في الأبدية (يو 3/21). هذه الدعوة
الفائقة الطبيعة تُظهر ، في الوقت
نفسه ، ما يميّز حياة الرجل والمرأة
على هذه الأرض من طابع نسبي .
والحقيقة أن هذه الحياة ليست هي "
الأخيرة " بل ما قبل الأخيرة . وهي ،
على كل حال ، حقيقة مقدسة وُكِلت
ألينا لنصونها بطريقة مسؤولة ، ونفضي
بها إلى كمالها في الحب وبذل الذات
لله وللآخرين .
وتعلّم
الكنيسة أن إنجيل الحياة هذا الذي
تسلمته من الرب ، يلقى صدىً عميقاً في
قلب كل إنسان ، أمؤمناً كان أم غير
مؤمن، لأنه يتخطى ترقباته تخطياً لا
حدود له، ويلبيها تلبية مذهلة.
وبالرغم من المصاعب والريب، بإمكان
كل إنسان منفتح على الحقيقة والخير
انفتاحاً مخلصاً، وبنور العقل وعمل
النعمة الباطن، أن يتوصل إلى أن
يكتشف في الشريعة الطبيعية المكتوبة
في القلوب 0
( روم 2/ 14-15 ) ما تتضمنه الحياة البشرية
من قيمة مقدسة، من بدايتها حتى
نهايتها؛ وبإمكانه أيضاً أن يؤكد ما
يتمتع به كل كائن بشري من حقٍ في أن
يظل هذا الخير الأساسي في نظره موضوع
احترام كامل. وحتى التعايش الإنساني
والمجتمع السياسي يرتكزان على
الاعتراف بهذا الحق .
الدفاع عن هذا الحق وإعلاء قيمته يجب أن يتحققا، بوجهٍ خاص، على يد المؤمن بالمسيح الذين يدركون روعة الحقيقة التي ذكّر بها المجمع الفاتيكاني الثاني يقوله : " إن ابن الله بتأنسه قد اتحد، نوعاً ما، بكل إنسان. فالبشريّة، من خلال هذا الحدث الخلاصي ، لا تتلقى فقط الكشف عن حب الله اللامتناهي الذي " بلغ من حبه للعالم أنه جاد بابنه الواحد" ( يو 3/16 )، بل أيضاً عما يتمتع به
كل إنسان من قيمة لا تضاهى.
و لأن الكنيسة لا تني تنعم النظر في سر التأنس فهي تتلقى هذه القيمة بإعجاب متجدد أبداً وتشعر أنها مدعوة إلى أن تعلن للناس ، في كل الأزمان ، هذا " الإنجيل" ، ينبوع رجاء غلاب وفرح حقيقي لكل حقبة من حقب التاريخ. إنجيل حب الله للإنسان وإنجيل الكرامة البشرية وإنجيل الحياة : كلها إنجيل واحد لا يتجزأ. ولذا فالإنسان، الإنسان الحي، هو للكنيسة دربها الوحيد وطريقها الأساسي .
الأخطار الجديدة المتربصة بالحياة البشريًة
3- بقوة سر كلمة الله المتجسًد ( يو 1/ 14) كل إنسان أصبح موكولاً إلى الكنيسة ومحبتها الوالدية . ومن ثم، فكل ما يهدد كرامة الإنسان وحياته لا يمكن إلا أن يمس الكنيسة في صميم فؤادها ويصيبها في عقر إيمانها بابن الله المتجسد والفادي ورسالتها القاضية بنشر إنجيل الحياة في العالم كله ولكل خلق ( مر 16/ 15).
هذه البشرى أصبحت اليوم على جانب ملحوظ من الإلزام بسبب ما أمس يهدد الأفراد والشعوب من أخطار لا تزال تتكاثر وتتفاقم بصورة موجلة، ولاسيما إذا كانت هذه الحياة هشة عزلاء ، وينضاف إلى الكوارث القديمة والمؤلمة ، الناجمة من البؤس والجوع والأوبئة المستوطنة والعنف والحروب ، كوارث أخرى بوجوهها الحديثة وأبعادها المقلقة.
في صفحة تتصف بالواقعية المأساوية، ندد المجمع الفاتيكاني الثاني تنديداً صارماً بالجرائم المتنوعة والانتهاكات التي تستهدف الحياة البشرية . بعد ثلاثين سنة ، أود أن أتبنى هذه الكل مات المجمعيّة ، وأندّد بهذه المساوئ مرّة أخرى وبنفس القّوة، باسم الكنيسة جمعاء ، واثقاً من أنني أترجم ما يشعر به بصدق كل ضمير مستقيم : " كل ما يتصدّى للحياة ذاتها ككل ضرب منم
من ضروب القتل والقتل الجماعي والإجهاض والقتل الرحيم وحتى الانتحار المتعمّد، وكل ما هو انتهاك لحصانة الإنسان كالبتر والتعذيب الجسدي أو الأدبي ومحاولات الضغوط النفسانيّة، وكل ما يهين كرامة الإنسان كظروف الحياة المنحطّة والاعتقالات الاعتباطيّة والنفي والرق والدعارة والمتاجرة بالنساء والأحداث، وظروف العمل المشينة التي تُحدِر العمّال إلى مستوى مجرّد أدوات للكسب، بلا حرمة لما يتمتعون به من شخصيّة حرّة ومسؤولة هذه الممارسات جميعها و ما يشبهها إنما هي، في الحقيقة ، ممارسات مخزية . فهي تفسد الحضارة علاوة على أنها تشين الذين يمارسونها أكثر مما تشين الذين يكابدونها وهي إهانة ثقيلة لكرامة الخالق ".
4- ومن دواعي الأسف أن هذه اللوحة المقلقة لا نراها تنحسر ، بل نراها آخذة في الاتساع: فمع ما نلحظه من آفاق جديدة من التعرّض لكرامة الإنسان.وفي الوقت نفسه ترتسم وتتكوّن حالة حضاريّة جديدة تضفي على الجرائم التي تستهدف الحياة وجها مستحدثاً وأكثر إغراقاً في الظلم – إن أمكن – وفي ذلك ما يبعث في النفس هموماً أخرى خطيرة : فثمة طبقات واسعة في الرأي العام تبرّر بعض الجرائم ضدّ الحياة باسم حقوق الحريّة الفرديّة ، وتنطلق من هذه الأرضيّة لتطالب لا بالتبرئة وحسب بل بموافقة الدولة لتمارسها في حريّة مطلقة وبدعم مجاني من قبل الخدمات الصحيّة.
هذا كله يحدث انقلاباً عميقاً في النظرة إلى الحياة والعلاقات بين الناس . فالتشريعات، في عدد كبير من البلدان ، تنأى أحياناً عن المبادئ التي ترتكز عليها دساتيرها. فلا تكتفي بحجب العقوبة عن مستحقيها بل تقدم على الاعتراف بقانونية الممارسات ضد الحياة وشرعيتها الكاملة. هذا كله يشكل ظاهرة ممضّة وسبباً لا يستهان به يؤدي إلى انهيار أدبي جسيم : ثمة خيارات كانت تحسب ، في الأمس، جرائم يأباها الحس الأدبي العام، تصبح اليوم ، في نظر المجتمع ، جديرة بالاحترام شيئاً فشيئاً. وحتىنفسه ، المدعو إلى حماية الحياة البشريّة والعناية بها، ينساق أكثر فأكثر، في بعض القطاعات، إلى ارتكاب هذه الأفعال التي تستهدف الإنسان. وهو، بذلك، يشوّه صفحته ويناقض ذاته ويجرح كرامة الذين يمارسونه. في مثل هذه القرائن الثقافية والقانونية تمسي المعضلات الديموغرافية والاجتماعية الوطنية والدوليّة، معرّضةً لأن توجد لها حلول زائفة وواهمة تناقض لحقيقة وتعارض خير الأفراد والشعوب .
إنها لمأساوية النتيجة التي نفضي إليها : فلئن كان من الخطورة ودواعي القلق بمكان أن نلحظ الإجهاز على الآلاف من البشر البادئين في طريق الحياة أو المشرفين على نهايتها ، فإنه ليس بأقل خطراً ومدعاة إلى القلق أن نرى الضمير ذاته في شبه عماية من جراء خضوعه لمثل هذه التحوّلات العميقة وفي عجز متزايد عن التمييز بين الخير والشر في القضايا المتعلقة بالحياة البشريّة وقيمتها الأساسية.
في الشركة مع جميع أساقفة العالم
5- معضلة الأخطار المحدقة بالحياة البشرية في عصرنا كانت موضوع المجمع الاستثنائي للكرادلة الذي التأم في روما من 4 إلى 7 نيسان 1991. بعد بحث مستفيض ومعمّق في المعضلة وفي التحديّات التي باتت تستهدف الأسرة البشريّة برمّتها وبخاصة الجماعة المسيحية ، طلب فني مجمع الكرادلة ، باقتراع إجماعي، ن أؤكد ثانية، بسلطة خليقة بطرس ، قيمة الحياة البشريّة وحصانتها ، في مواجهة الظروف الراهنة والتعديّات التي تهدّدها اليوم .
لقد رحّبت بهذا الطلب ، وفي عيد العنصرة من سنة 1991 وجّهت رسالة شخصية إلى كل من إخوتي في الأسقفية ليوافوني ، في روح الجماعيّّة الأسقفية، بقسطهم من التعاون لوضع وثيقة في هذه المسألة . وإني أشكر عميق الشكر لجميع الأساقفة أنهم استجابوا لطلبي وزوّدوني بمعلومات وإيحاءات واقتراحات نفيسة . وبهذه الطريقة أيضاً أدوا لي برهان مساهمتهم ، بإجماع وصدق ، في الرسالة التعليميّة والراعويّة التي تضطلع بها الكنيسة في قضية إنجيل الحياة.
في هذه الرسالة ذاتها، وقبيل الاحتفال باليوبيل المئوي للرسالة العامّة في "الشؤون الحديثة "، لفت انتباه الجميع إلى هذا الشبه الغريب : "كما أن الطبقة العمّالية ، منذ قرن ، كانت هي المغموطة حقوقها الأساسية ، فتولّت الكنيسة الدفاع عنها بكثير من الجرأة وجاهرت بما يتمتع به العامل من حقوق مقدّسة كذلك الآن، ونحن بإزاء فئة أخرى من الناس ينتهك ما لها من حقّ أساسي على الحياة، تشعر الكنيسة بأن عليها أن تتسلح بنفس الجرأة وتعطي صوتاً لممن لا صوت له . إنها العالم والمهدّدين والمحتقرين والمحرومين حقوقهم الإنسانية".
نحن نلحظ اليوم جمهور اً من الضعفاء والعزّل المجحود حقهم الأساسي في الحياة، ومنهم خصوصاً الأولاد الموشكون أن يولدوا. فإذا كانت الكنيسة، في نهاية القرن السابق ، لم يحقّ لها أن تصمت عن المظالم القائمة آنذاك ، فلا يحق لها اليومأيضاّ أن تصمت ، وقد انضافت في غير جزء من أجراء العالم ، إلى المظالم الاجتماعية السالفة التي لم تلق لها حلاً- حتى اليوم – مظالم وضغوط أشد خطراً ، تعتبر وسائل تقدم لإقامة نظام عمالي جديد. ا .
هذه الرسالة ، وهي ثمرة تعاون الأساقفة في كل بلدان العالم ، تود أن تكون تأكيد مكرراً وحازماً لقيمة الحياة البشرية وحصانتها ، وفي الوقت نفسه ، دعوةً لاهبة موجهة إلى كل فرد ، باسم الله ، أن : احترام وصُن وأحبِب واخدُم الحياة ، وكل حياة بشرية ! فعلى هذا الدرب فقط تلقى العدل والنموَ والحرية الحقيقية والسلام والسعادة !
عسى أن تبلغ هذه الكلمات إلى كل أبناء وكل بنات الكنيسة ! عساها أن تبلغ إلى الطيبين الحريصين على خير كل رجل وامرأة وعلى مصير المجتمع بأسره .
6- بعميق المشاركة مع كلٍ من إخوتي وأخواتي في الإيمان ، وبدافع صداقة خالصة للجميع ، أود أن أعود إلى " التمعن في إنجيل الحياة وأبشر به سنىً " للحقيقة ينير الضمائر ونوراً ساطعاً يشفي الأبصار المظلمة ، وينبوعاً لا ينضب من الثبات والشجاعة في مواجهة ما يعترضنا من تحديات مستمرة .
وبينما أثوب بالفكر إلى الخبرات الثريّة التي عشناها خلال سنة العائلة ، وبمثابة نتيجة للرسالة التي وجّهتها إلى "كل عيلة في كل أقطار الأرض " أرفع نظري ، بثقة متجددة إلى جميع العيل ، متمنياً أن ينبعث ويتقوى ، على جميع الصعد ، تصميم الجميع على أن يدعموا العيلة لتستمرّ اليوم أيضاً- وسط مصاعب كثيرة وأخطار باهظة – وفيّة لقصد الله بأن تكون "هيكلاً للحياة".
إلى جميع أعضاء الكنيسة ، وهم شعب الحياة المتجنّد للحياة ، أوجّه ألحّ نداءاتي لكي نتمكن معاً من أن نزوّد علمنا بآيات جديدة للرجاء ، باذلين جهدنا لإنماء العدالة والتضامن، وتدعيم حضارة جديدة للحياة البشرية وبناء مدنيّة صحيحة للحقيقة والحبّ.
الفصل الأوّل
إن صوت دماء أخيك
صارخ إليّ من الأرض
الأخطار المعاصرة
المحدقة بالحياة البشريّة
"وثب قاين على هابيل أخيه وقتله "(تك 4/8):
جذور العنف المحدق الحياة
7- " ليس الموت من صنع الله ولا هلاك الأحياء يسرّه .لأنه إنما خلق الجميع للبقاء … إن الله خلق الإنسان خالداً وصنعه على صورة ذاته . لكن بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم فيذوقه الذين هم من حزه " (حك 1/13- 14؛ 2/23- 24).
إنجيل الحياة الذي أعلن في البدء مع الإنسان على صورة الله ، لينعم بحياة زاخرة وكاملة (تك2/ 7؛ حك 9/2-3) قد ناقضته خبرة ممزقّة خبرة الموت الذي يدخل العالم ويلقي على الوجود البشري بأسره ظلّ الفراغ. فالموت دخل العالم بسبب حسد إبليس (تك 3/1، 4-5 ) وبسبب خطيئة والدينا الأوليّن (تك 2/17، 3/17-19).ولقد دخله من باب العنف ، بسبب مقتل هابيل على يد أخيه قاين : " فلما كانا في الصحراء وثب قاين على هابيل أخيه وقتله" (تك 4/8).
هذا المصرع الأول يصورّه سفر التكوين تصويراً بليغاً في صفحة فريدة من صفحاته النموذجية : صفحة تكتب كل يوم في كتاب تاريخ الشعوب ، بلا هوادة وبطريقة متكررّة ومخزية.
فلنعد معاً قراءة هذه
الصفحة الكتابية التي تحمل لنا ،
بالرغم من عتاقتها وبساطتها
المغرقة، تعاليم ثريّة جداً:
كان هابيل راعي غنم وقاين كان يحرث
الأرض وكان بعد أيام أن قاين قدّم من
ثمر الأرض تقدمة للرب . وقدّم هابيل
أيضاً من أبكار غنمه ومن سمانها .
فنظر الرب إلى هابيل وتقدمته ، وإلى
قاين وتقدمته لم ينظر . فشقّ على قاين
جداً وسقط وجهه. فقال الرب لقاين : لم
شقّ عليك ولم سقط وجهك؟ الا إنك إن
أحسنت تنال وإن لم تحسن فعند الباب
خطيئة رابضة وإليك انقاد أشواقها
وأنت تسود عليها . وقال قاين لهابيل
أخيه: لنخرج إلى الصحراء . فلما كان في
الصحراء وثب قاين على هابيل أخيه
فقتله.
فقال الرب لقاين : أين هابيل أخوك. فقال : لا أعلم . ألعلّي حارس لأخي ؟ فقال : ماذا صنعت؟ إن صوت دماء أخيك صارخ إليّ من الأرض . والآن فملعون أنت من الأرض التي فتحت فاها لتقبل دماء أخيك من يدك. وإذا حرثت الأرض فلا تعطيك قوتها أيضاً . تائهاُ شارداً تكون في الأرض . فقال قاين للرب : ذنبي أعظم من أن يغفر . إنك قد طردتني اليوم عن وجه الأرض ومن وجهك أستتر وأكون تائهاً وشارداً على الأرض فيكون أن كل من وجدني يقتلني . فقال له الرب : لذلك كل من قتل قاين فسبعة أضعاف يقاد به. وجعل الرب لقاين علامة لئلا يقتله كل من وجده. وخرج قاين من أمام الرب فأقام بأرض نودٍ شرقيّ عدن " (تك 4/2-16).
8- لقد "شقّ على قاين جداً " وسقط وجهه لأن "الرب نظر إلى هابيل وتقدمته "( تك 4/4). لا يكشف لنا النص الكتابي السبب الذي جعل الله يؤثر تقدمة هابيل على تقدمة قاين ولكنه يبيّن لنا جلياً أن الله ، وإن آثر تقدمة هابيل ، لم يقطع الحوار مع قاين فهو ينبهّه ويذكره بما يملكه من حريّة تجاه الشر : فالإنسان ليس مسيّراً للشر.
صحيح أنه ، مثل آدم ، تساوره الخطيئة بقوّتها الشرّيرة ، وتربض عند باب قلبه كوحش مفترس يترقب لحظة الوثوب على فريسته . ولكن قاين يبقى حراً تجاه الخطيئة ، وبإمكانه بل عليه أن يسيطر عليها : " إليك انقياد أشواقها، وأنت تسود عليها"(تك 4/7).
الحسد والغضب يتغلبان على إنذار الرب . ولذا فقاين يثب على أخيه ويقتله . وهذا ما ورد في " التعليم الديني الكاثوليكي": " يكشف لنا الكتاب المقدّس في رواية مقتل هابيل على يد أخيه قاين ، منذ فجر التاريخ البشري، وجود الغضب والحسد في الإنسان نتيجة الخطيئة الأصلية. فغدا الإنسان عدواً لمثيله"10.
الأخ يقتل الأخ ، فكما في المقتل الأخويّ الأول، في كل مقتل تنبهك القربى "الروحية" التي تضمّ الناس أسرة كبيرة واحدة، فيشترك الكلّ في الخير الأساسي الواحد: المساواة في الكرامة الشخصية . وليس من النادر أن تنتهك ، بطريقة متوازية، قربى" اللحم والدم"، عندما تتفاقم مثلا الأخطار المحدقة بالحياة، في العلاقات بين الأهل والبنين، في حال الإجهاض، أو في حال القتل الرحيم ، إذا انتقلنا إلى قرائن عيلية أو أهلية أوسع.
بعد الجريمة يتدخّل الله لينتقم للضحيّة . فقاين، في ردّه على الله الذي سأله عن مصير أخيه، بدلاً من أن يبدو عليه الاضطراب ويلتمس الصفح ، نراه يتملّص من السؤال ويجيب بغطرسة: " لا أعلم . ألعلّي حارس لأخي ؟"(تك 4/9). لا أعلم ." فقاين بالكذب يحاول أن يغطي جريمة . هكذا كانت الحال سابقاً في معظم الأحيان، وهكذا لا تزال الأمور تجري ، كلّ مرة تسعى الإيديولوجيات، على اختلافها، إلى تبرير وتقنيع أشنع الجرائم المقترفة ضدّ الإنسان :" ألعلّي حارس لأخي؟".فقاين يأبى أن يفكرّ في أخيه ويرفض أن يتحمل مسؤولية كل إنسان تجاه أي إنسان آخر . ويتبادر إلى ذهننا، بطريقة عفوية، النزعات المعاصرة التي تجرّد الإنسان من مسؤوليته تجاه مثيله. ونلحظ عن ذلك أعراضاً، من بين أعراض أخرى، في ضياع معنى التضامن تجاه المستضعفين من أبناء المجتمع- المسنيّن والمرضى واللاجئين والأولاد – وفي اللامبالاة الملحوظة غالباً في العلاقات بين الشعوب ، حتى في ما يتعلّق بالقيم الإنسانيّة، قيم البقاء والحريّة والسلام.
9- ولكن الله لا يستطيع أن يدع الجريمة بلا عقاب : فدم الضحيّة ، من الأرض التي سفك عليها، يطالب الله بإقامة العدل (تك 37/ 26؛ أش 26/ 21؛ حز24/ 7-8) . من هذا النص استوحت الكنيسة عبارة " الخطايا التي تستصرخ انتقام الله"، وقد أدخلت فيها ، في رأس اللائحة ، القتل المتعمّد(12) . ففي نظر اليهود، كما في نظر الكثير من الشعوب القديمة، الدم هو مستقرّ الحياة (تك 12/23) . والحياة، ولاسيما الحياة البشرية، هي ملك الله وحده. ولذا فكل من يتعدّى على حياة الإنسان فكأنه يتعدّى على الله نفسه.
لقد نال قاين لعنة الله ولعنة الأرض التي لن تعطيه قوتها (تك 4/11-12) . وقد حلّ به العقاب فراح يسكن القفر والصحراء .إن العنف القتّال يغيّر تغييراً عميقاً البيئة التي تجري فيها حياة الإنسان . فالأرض التي كانت "جنة عدن" (تك 4/15) وموقع وفرة وعلامات إنسانية هادئة وصداقة مع الله، أمست "بلاد نود" (تك 4/16): أرض البؤس والوحشة والنأي عن الله (تك 4/ 14). وقد أمس قاين "تائهاً شارداً " (تك 4/14) وسوف يرافقه أبداً الشك والتقلب.
ولكن الله المتحنّن حتى في عقابه’ " جعل لقاين علامة، حتى لا يقتله كل من وجده" (تك 4/ 15). لقد جعل له علامةً فارغة لئلا يحكم عليه بأن يكون منبوذاً عن الآخرين، ولكي يلقى حماية وحصانة في وجه من يضمرون قتله، وإن انتقاماً لموت هابيل.. فهو، مع كونه قابلاً، لا يزال يملك كرامته الشخصية، والله نفسه في ذلك كفيل. هنا يتجلّى السرّ الغريب، سرّ عدالة الله المترفقة كما كتب في ذلك القديس أمبروسيوس: "لقد تم مقتل أخ على يد أخيه ، وهو أعظم الجرائم. ففي اللحظة التي تسلّلت فيها الخطيئة، انبسطت فوراً شريعة الرحمة الإلهية، وذلك بأن العقاب، لو حلّ فوراً بالمذنب ، لما أمكن الناس ، في إنزالهم العقوبات [بالمجرمين] أن يتسربلوا بسربال التسامح والوداعة، بل لكانوا أنزلوا فوراً العقاب بالمذنبين […] لقد أقص الله قاين عن وجهه، وإذ انتبذه أهله، نفاه إلى أرض معزولة يسكن فيها لأنه انتقل من وداعة البشر إلى شراسة الوحوش الضاربة. ولكن الله لم يشأ أن يعاقب القاتل بالقتل، لأنه يريد أن يهيب بالخاطئ إلى التوبة لا إلى الموت" (13).
"ماذا صنعت؟ (تك 4/10): كسوف قيمة الحياة
10- قال الرب لقاين: ماذا صنعت" إن صوت دماء أخيك صارخ إلي من الأرض" (تك 4/10) إن صوت الدم الذي يسفكه الناس لا يني يصرخ، من جيل إلى جيل، بأحجام ونبرات متنوعة وأبداً متجددة، سؤال الرب : " ماذا صنعت؟الذي لم يستطع قاين أن يتهرّب منه، موجّه أيضاً إلى الإنسان المعاصر ليعي مدى الخطورة في انتهاكات حرمة الحياة، التي لا يزال تاريخ البشريّة موصوماً بها.إنه موجّه إليه ليبحث عن الأسباب الكثيرة التي تحدث هذه التعدّيات وتحرّض عليها وليفكّر جدّياً في ما ينجم عنها من تهدّد وجود الأفراد والشعوب.
هناك تهديدات تنشأ عن الطبيعة ذاتها، ولكنها تتضخّم بسبب اللامبالاة المجرمة والتهاون الصادر عن الناس الذين يستطيعون ، في معظم الأحيان، أن يجدوا لها علاجاً. وهناك بالعكس تهديدات أخرى ناجمة عن أحوال العنف والبغض أو عن المصالح المتضاربة التي تدفع الناس إلى التهجّم على أناس آخرين بأعمال القتل والحروب والمذابح والإبادات الجماعية .
وكيف لا نذكر العنف الممارس في حق الملايين من البشر وبخاصة الأطفال ضحايا البؤس وسؤ التغذية والمجاعة، وذلك من جراء تقسيط جائر للثروات بين الشعوب أو بين الطبقات الاجتماعية ؟ أم كيف لا نذكر العنف قبل ظهوره في الحروب ، العنف المرتبط بتجارة الأسلحة المشينة التي تساهم في تصعيد الكثير من الصراعات المسلّحة مضرّجة العالم بالدماء؟ أم كيف لا نذكر أيضاً انتشار جرائم الموت عن طريق الإخلال الغبيّ بالتوازنات البيئية ، وتعميم المخدرات ونتائجها القتّالة ، وتحبيذ تصرّفات جنسيّة تنبئ بأخطار جسيمة على الحياة، علاوة على إنها مرفوضة أدبياً ؟ من المتعذّر أن نسرد بطريقة وافية سلسلة الأخطار الطويلة المحدقة بالحياة البشرية ، لكثرة ما ترتديه، في عصرنا ، من أشكال سافرة أو مبيتّة.
11- ولكننا نريد أن نحصر انتباهنا خصوصاً في أشكال أخرى من التعدّيات التي تستهدف الحياة الناشئة أو الحياة في مراحلها الأخيرة ، وتتميز بخاصّيات جديدة بالنظر إلى الماضي وتثير معضلات على جانب كبير من الخطورة؛ وذلك بأنها تنزع إلى أن تتبرأ، في نظر الضمير الجماعي ، من طابعها الإجرامي، وتتلبس، تلبساً غربياً ، بطابع "الحق". والنتيجة أن هناك من يطالب الدولة بأن تعترف بها اعترافاً شرعياً حقيقياً وراهناً، وتطبيقها ، من ثم ، تطبيقاً مجانياً، على يد المسؤولين في دوائر الصحة . هذه التعدّيات تمسّ الحياة البشرية في أحوال شديدة الهشاشة ، عزلى من كل قدرة على الدفاع . وأخطر من ذلك أنها تتم ، على مدىً واسع ، داخل الأسرة وبمبادرة الأسرة المدعوّة ، بالعكس، ومن منطلق تكوينها، إلى أن تكون "حرم الحياة".
كيف بات بالإمكان الوصول إلى مثل هذه الحال؟ ثمة عوامل كثيرة يجب اتخاذها بعين الاعتبار . في الخلفيّة نلحظ أزمة عميقة في مجال الثقافة تولّد الريبة في أسس المعرفة والمسلكية تصعّب أكثر فأكثر صفاء رؤية معنى الإنسان وحقوقه وواجباته. وينضاف إلى المصاعب الوجوديّة والعلاقيّة على أنواعها ، يوترها واقع مجتمع معقّد يمسي فيه الأفراد والأزواج والعيل وحدهم غالباً في مواجهة معضلاتهم. وهناك أيضاً أوضاع حادّة من الفقر والجزع والتوتر ، حيث السعي المضني في سبيل البقاء ، والعذاب المتاخم لحدود المحتمل والضغوط الممارسة خصوصاً على النساء ، تجعل الخيارات الداعمة لشؤون الحياة وحمايتها وترقيتها على جانب من المشقة بل من البطولة.
كل هذا يفسّر، ولو جزئياً ، أن قيمة الحياة يغشاها اليوم ضرب من " الكسوف "، وإن كان الضمير لا يزال يعرضها في معرض الشؤون المقدسة والحصينة. ونلحظ ذلك في أن الناس ينزعون إلى تغطية بعض الأخطار التي تمس الحياة الناشئة أو المشرقة على مراحلها الأخيرة بعبارات مستمدّة من قاموس الصحّة ، تصرف الأنظار عماّ يمكن في ذلك من مساس بحق الفرد البشري في الوجود.
12- والواقع انه وإن كانت هناك وجوه متعدّدة وخطيرة من وجوه المعضلة الأجتماعية بإمكانها أن تفسّر ، نوعاً ما، جو الريبة الأدبية المتفشيّة المسؤولية الشخصية عند الأفراد، فإنه من الصحيح أيضاً أننا في مواجهة واقع أشمل يمكن اعتباره حقاً "بنية خطيئة"، يميّزها رجوع ثقافة تنافي معنى التضامن وتظهير، في أحوال كثيرة، وكأنها "ثقافة موت" حقيقية. هذه الثقافة تشجّعها تيارات ثقافيّة واقتصادية وسياسية عارمة، تملك عن المجتمع نظرة منفعيّة.
إذا نظرنا إلى هذه الأمور من هذا الملحظ، يمكننا التحدث ، نوعاً ما، عن حرب المقتدرين على المستضعفين: فالحياة التي تتطلب قدراً أعظم من البشاشة والحب والعناية تُحسب حياة عقيمة ، أو تُعتبر عبئاً لا يُطاق وتسمى ، من ثم ، مرفوضة بألف أسلوب . فالإنسان الذي ، بسبب مرضه أو عائقته أو حتى بسبب مجرّد وجوده ، يعكّر على المحظوظين رغد عيشهم ومألوف حياتهم ، يسمى بسبب ذلك عدواً يجب اتقاءه أو التخلص منه ، ويعصف ، من جراء ذلك شبه "مؤامرة على الحياة " هذه المؤامرة لا تمس فقط الأشخاص في علاقاتهم الفردية والعيلية والجماعية ، بل توغل إلى أبعد من ذلك ، إلى حد زعزعة وتشويه العلاقات بين الشعوب وبين الدول ، على الصعيد العالمي .
13- وفي سبيل تشجيع الإجهاض على نطاق أوسع ، أنفقت ولا تزال أموال طائلة لتجهيز مستحضرات صيدليّة تمكّن من قتل الجنين في رحم أمّه من دون اللجؤ إلى خدمات الطبيب . في هذا المجال ، يبدو البحث العلمي نفسه محصور الهم تقريباً في الحصول على منتجات على مزيد من البساطة والفاعلية ضد الحياة وقادرة ، في الوقت نفسه ، على أن تعفي الإجهاض من كل شكل الرقابة والمسؤولية الأجتماعية .
لقد تواتر القول بأن العلاج منع الحَبَل ، إذا أمسى مأموناً وفي متناول الجميع ، هو العلاج ضد الإجهاض . وتُتَّهم الكنيسة الكاثوليكية بأنها تشجع الإجهاض لأنها لا تزال تعاند في اعتبار منع الحبل وسيلة يحرّمها الشرع الأدبي . هذا الاعتراض، اذا انعمنا فيه النظر، يبدو في الحقيقة مشبوهاًً . قد يحدث، ولا شك ، أن كثيراً من الذين يلجاؤن إلى وسائل منع الحمل، يقدمون على ذلك أيضاً وفي نيتهم أن يتحاشوا، فيما بعد ، مزلقة الإجهاض. ولكن المواقف السلبيّة الكامنة في "ذهنية منع الحمل" - وهي بعيدة جداً عن ممارسة الأبوّة والأمومة ممارسة مسوؤلة، كما تتحقق في احترام الفعل الزوجي في ملْ حقيقته - هذه المواقف هي من السلبية بحيث تجعل هذه التجربة أشدّ إغراءً في مواجهة حمل غير مرغوب فيه. والواقع أن الحضارة التي تدفع إلى الإجهاض تنمو نمواً خاصاً في الأوساط التي ترفض تعليم الكنيسة في منع الحمل. لا شك أن منع الحمل والإجهاض، من الناحية الأخلاقية، هما شران مختلفان إختلافاً نوعياً: فالأول ينافي حقيقة الفعل الجنسي، بوصفه تعبيراً عن الحب الزوجي، بينما الآخر يدمّر حياة كائن بشري. الأول يجافي فضيلة العفة الزوجية، بينما الآخر يناقض فضيلة العدالة وينتهك مباشرة الوصية الإلهية "لا تقتل".
ولكن منع الحمل والإجهاض، على اختلافهما في الطبيعة والوزن الأدبي، مرتبطان ارتباطاً وثيقاً، وكأنهما ثمرتان من نبتة واحدة. لاشك أن ثمة أحوالاً تضطر الإنسان إلى استعمال منع الحمل والإجهاض بضغط ظروف حياتية، ولكنها لا تعفي البتة من واجب الامتثال الكامل لشريعة الله. إلا أن هذه الممارسات، في أحوال أخرى كثيرة جداً، تتجدّر في ذهنيّة متعيّة وتجرّد من المسوؤلية في ما يتعلّق بالحياة الجنسية، وتفترض نظرة أنانية إلى الحريّة تعتبر الإنجاب عائقاً يعترض نموّ الشخصية البشريّة. وهكذا تمسي الحياة التي يمكن أن تنشأ من العلاقة الجنسية هي العدوّ الذي لا بدّ من محايدته بكل وسيلة، ويمسي الإجهاض هو الجواب الممكن الأوحد و العلاج في حال فشل منع الحمل.
ومن المؤسف أن الصلة الوثيقة الملحوظة في الذهنيات بين ممارسة منع الحمل وممارسة الإجهاض تظهر أكثر فأكثر. والدليل على ذلك ما يتحقق، بكريقة مقلقة، من تجهيز مستحضرات كيماوية وأجهزة داخل الرحم ولقاحات توّزع هي ووسائل منع الحمل بنفس السهولة، وتفعل، في الحقيقة، فعل الوسائل الإجهاضية في المراحل الأولى ممن نموّ الحياة في الكائن الجديد.
14- تقنيات الإنجاب الاصطناعي، على أنواعها، وهي تبدو في خدمة الحياة، وتتضمّن هذه النية في عدد من الأحوال، إنما تشرع الباب على اعتداءات جديدة على الحياة. وعلاوة على أن هذه التقنيات مرفوضة أدبياً لأنها تعزل الإنجاب عن العمل الزوجي وسياقه الإنساني المتكامل 14، فهي تسجّل نسباً عالية من الفشل، ليس فقط على صعيد التلقيح، بل في ما بعد أيضاً ، على صعيد نموّ الجنين، المعرّض لخطر الموت، بعد فترات قصيرة جداً، بوجه الإجمال. ويفوق أحياناً عدد المضغ ما هو ضروري لزرعها في رحم المرأة، وهذه " المضغ الفائضة"، كما تسمى، تلقى أو تستعمل في بحوث تخفّض، في الحقيقة، الحياة البشرية، بحجة التقدّم العلمي أو الطبي، إلى مستوى " سلعة بيولوجية"، يمكن المرء أن يتصرف بها على هواه.
التشخيص السابق للولادة، الذي لا يثير مشاكل أدبيّة إذا استعمل لتحديد العلاجات التي يمكن أن تكون ضرورية للولد المشرف على الولادة ، قد يمسي أحياناً كثيرة فرصة لاقتراح الإجهاض أو لإجرائه. هو الإجهاض النسالي"، الذي تنشأ شرعيته، في الرأي العام، من ذهنية تعتبر بخطأٍ، على انسجام مع المقتضيات "العلاجية"، ولا ترحّب بالحياة إلا مشروطة وبراءً من الإعاقة والعاهة.
في خط هذا المنطق ، هناك من يرفض العلاجات الإساسية المألوفة، وحتى التغذية لأولاد ولدوا في حالات من الإعاقة أو المرض الثقيل. وإلى ذلك، تمسي المسرحية المعاصرة أدعى إلى البلبلة والحيرة من جراء المقترحات المقدّمة هنا وهناك والهادفة إلى تشريع قتل الأطفال، في خط المطالبة بحق الإجهاض، وفي هذا ما يرتدّ بنا الى طور من البربريّة حسبناه ولّى الى غير رجعة.
15- ثمة أخطار لا تقلّ جسامة تحدق أيضاً بالمرض المزمنين والمدنفين، في سياق اجتماعي وثقافي يضخّم صعوبة مواجهة الإلم وتحمّله، فيقوّي النزعة الى حلّ مشكلة الألم باقتلاعه من جذوره، واستعجال الموت في اللحظة التي تحسب مناسبة.
وتحبيذاً لهذا الخيار، نجد أحياناً كثيرة عناصر من طبيعة أخرى تلتقي كلها- لسؤ الحظ- في ذات المخرج المخيف. فعاطفة الجزع والتوتر وحتى اليأس عند المريض الناجمة عن خبرة ألم شديد ومديد، يمكن أن تؤدي إلى نتيجة حاسمة. وفي هذا ما يزعزع توازنات الحياة الفرديّة والعيليّة، على كونها مضطربة في حدّ ذاتها أحياناُ، وذلك لأن المريض، من جهة، قد يتعرض لأن يلفي ذاته رازحاً تحت عبء هشاشته، بالرغم مما أحرزته الرعاية الطبيّّّة والاجتماعية من فاعلية متنامية؛ ولأن ذلك قد يتعث، من جهة أخرى، في الأشخاص المرتبطين مباشرة بالمريض، شعوراً من الشفقة معقولاً وإن تمّ فهمه خطأ. كل هذا يمسي أشدّ حطراً من جراء بيئةٍ ثقافيّة لا تتوسّم في العذاب أي معنىً ولا أي قيمة بل ترى فيه ذروة الشر الذي لا بدّ من استئصاله بأي وسيلة. ونلحظ هذا خصوصاً في الأحوال التي تخلو من أي نظرة دينية تساعد في فهم سرّ العذاب فهماً أيجابياً.
ولكن القرائن الثقافية في جملتها لا تخلو من أن تخضع لنوع من الشعور البروميتي ( الأساطير الإغريفية ...) الذي يدفع الإنسان إلى الاعتقاد بقدرته على أن ينصّب ذاته سيد الحياة والموت يقررّها كما يريد، بينما هو ، في الواقع ، مقهور ومسحوق تحت وطأة موت مقفل أقفالاً مبرماً دون أي إطلالة معنى أو بريق رجاء . هذا كله نجد له صورة مأساوية في انتشار القتل الرحيم، مقنعّاً ومبيتّاً أو سافراً بل مشرّعاً. فإذا استثنينا شيئاً من الشفقة المزيفّية، تجاه عذاب المريض، نرى أن القتل الرحيم يبرّر أحياناً باعتبارات منفعيّة قوامها الإقلاع عن تكاليف مالية عقيمة ترهق المجتمع . وهكذا يصار إلى التفكير في إلغاء أطفال مشوّهين أو أشخاص معاقين إعاقة خطيرة أو عاجزين أو مسنين، ولا سيّما إذا كانوا على غير اكتفاء ذاتي، أو مرضى في طورهم الأخير. إنه لا يسوغ لنا أن نسكت عن أشكال أخرى من القتل الرحيم أشدّ دهاءً وإن لم تكن أقل خطراً وواقعيّة. وذلك، مثلاً، عندما يعمد إلى الاستزادة من الأعضاء البشرية لزرعها، فتقتلع هذه الأعضاء بلا تقيّد بالضوابط الموضعيّة الممناسبة للتثبّت من وفاة المعطي.
16- كثيراً ما تقترن الأخطار والتعدّيات المحدقة بالحياة بظاهرة أخرى معاصرة وهي الظاهرة الديموغرافية. وتعتلن هذه الظاهرة بطريقة تختلف بين منطقة وأخرى من مناطق العالم : ففي البلاد الثرية والمتطورّة ، نلحظ تقلّصاً وتدهوراً مريعين في عدد الولادات. وأمّا البلاد الفقيرة فهي تتميّز إجمالاُ بنسبة عالية من النموّ الأنامي يصعب تحمّلها في ما هي عليه من نموّ اقتصادي واجتماعي ضعيف أو من تخلّف فادح. في مواجهة هذا الاكتظاظ السكاني في البلاد الفقيرة نلحظ تقصيراً ، على الصعيد الدولي، في التدخلات الشاملة: السياسات العيليّة والاجتماعية الرصينة، وبرامج التطوّر الثقافي والإنتاجي والتوزيع العادل للموارد- بينما نلحظ استمراراً في تطبيق السياسات المناقضة للتطوّر الأنامي .
من الواضح أن منع الحمل والتعقيم والإجهاض يجب أن نعتبرها من الأسباب المؤديّة إلى خلق أحوالٍ من التقلّص الأنامي الشديد. ففي أحوال " التفجر الأنامي "، يسهل الركون إلى هذه الوسائل وسائر ما هنالك من صنوف التعدّي على الحياة.
عندما شعر فرعون قديماً بالقلق من وجود أولاد إسرائيل وتكاثرهم راح يسومهم كلّ أنواع الجور والطغيان وأمر بقتل كل ولد ذكرٍ مولود من أمهات عبرانيات( خر 1/7-22). هناك كثرة من المقتدرين في الأرض لا يزالون حتى اليوم يتصرفون بنفس الطريقة . هم أيضاً يجزعون من التكاثر الأنامي الراهن ويخشون من الشعوب الأكثر تكاثراً وفقراً أن تمسي خطراً يهدّد ما تتمتع به بلادهم من بحبوحة وطمأنينة. وبناءً على ذلك، فبدلاً من أ، يواجهوا هذه المشكلات الخطيرة ويعالجوها في احترام كرامة الأفراد والعيل، وبمراعاة ما يتمتع به كل إنسان من حق منيع في الحياة، يؤثرون أن يدعموا ويفرضوا. بكل الوسائل، مخططات كثيفة لتحديد النسل. وحتى المساعدات الاقتصادية التي كان بودهم أن يتبرعوا بها، يخضعونا، بطريقة جاثرة، لشرط القبول بسياسة تحديد النسل
17- البشرية المعاصرة تقدّم لنا مشهداً مروّعاً نلحظ لا القطاعات التي تستفحل فيها التعديّات على الحياة وحسب، بل أيضاً نسبتها العددية الكبيرة والدعم القوي الذي يوفره لها إجماع اجتماعي واسع النطاق، واعتراف شرعي متواتر ومساهمة جزءٍ من المسؤولين في قطاع الصحة.
وقد تحّدثت عن ذلك بشدّة في دنقر ، في مناسبة اليوم العالمي الثامن للشبيبة ، فقلت: " إن الأخطار المحدقة بالحياة لا تضعق مع الزمن، بل تتّخذ، بالعكس، أبعاداً جسيمة. هذه الأخطار لا تصدر فقط من الخارج ، من قوى الطبيعة ومن أمثال "قاين " الذين يقتلون "هابيل"، بل هي أخطار مبرمجة بطريقة علمية ونظيفة. فالقرن العشرون سوف يكون حقبة حافلة بالتعديّات الفظيعة على الحياة، وسلسلة لا نهاية لها من الحروب ومجزرة متواصلة تستهدف الأبرياء . فالأنبياء الدّجالون والمعلّمون المزّيفون قد أحرزوا اكبر قدر ممكن من النجاح"15.
" ألعلي حارس لأخي؟" (تك 4/9): انحراف في تصوّر الحريّة
18- إن المشهد الذي أتينا على وصفه يجب أن نحيط به لا من ناحية ما يتميّز به من ظاهرات الموت وحسب، ولكن من ناحية الأسباب المتعددة التي تفرزه أيضاً. سؤال الرب: ماذا صنعت بأخيك؟ " (تك 4/ 10) يبدو وكأنه نداء موجّه إلى قاين ليتخطى ماديّة الجرم الذي اقترفه، ويدرك خطورته على صعيد الحوافز التي أدّت إليه والتبعات الناجمة عنه.
الخيارات ضد الحياة توحيها أحياناً أوضاع شائكة بل فاجعة من الألم السحيق والعزلة وانقطاع الأمل في تحسين وضع اقتصادي، والانهيار والجزع من المستقبل.
مثل هذه الأحوال بأمكانها أن تخفف ، حتى إلى حدّ بعيد ، المسؤولية وعبء الذنب لدى الذين يتخذون هذه الخيارات الأثمية في حدّ ذاتها . ولكن المشكلة تتخطى اليوم مجرّد الأقرار - وإن ضرورياً - بهذه الأوضاع الشخصية . فالمشكلة مطروحة أيضاً على الصعيد الثقافي والإجتماعي والسياسي ؛ وهنا يظهر وجهها الهدام والمقلق ، بسبب النزعة المتنامية في ذهنية المجتمع إلى اعتبار هذه التعدياّت على الحياة تعابير شرعيّة عن الحريّة الفرديّة ، يحب الأعتراف بها والدفاع عنها دفاعنا عن حقوق راهنة .
ونفضي هكذا إلى منعطف فاجع النتائج في مسار تاريخي طويل يصطدم اليوم بتناقض مذهل ، بعد اكتشاف فكرة " حقوق الإنسان " - بصفتها حقوقاً فطرية لكل فرد ، سابقة لكل دستور ولكل شريعة في الدول -ففي الوقت الذي نعلن فيه رسمياً ما يتمتع به الفرد من حقوق منيعة ، ونؤكد أمام الملأ قيمة الحياة ، نرى أن الحق في الحياة مرفوض ومنتهك علمياً ، وخصوصاً في مرحلتين من أهم مراحل الوجود : الولادة والموت .
من جهة نلحظ أن ما يعلنَ في شأن حقوق الإنسان والمبادرات الكثيرة المستوحات من هذه الحقوق تٌبين ، في العالم كله ، تطور حسٍ أدبي أكثر أهبة للاعتراف بقيمة الحياة وكرامة كل إنسان في حدّ ذاته ، بصرف النظر عن كل تفرقة في العرق أو في البلد أو في الدين أو في الرأي السياسي أو في الطبقة الاجتماعية . ولكن ، من جهة أخرى ، نرى أن هذه الإعلانات النبيلة ينافيها الواقع المأساوي منافاة مؤسفة ، ومما يدعو إلى مزيد من الحيرة بل من التشكيك ، أن هذه الأمور تحدث ، بالضبط ، في مجتمع يجعل هدفه الأول وفخاره في المجاهرة بالحقوق الإنسانية والذود عنها . فكيف يمكن التوفيق بين هذه التأكيدات المبدئية المتكرّرة مع ما هنالك من تفاقم متواصل وتشريع متواتر للتعدّيات على الحياة البشريّة ؟ وأين الانسجام بين هذه التصريحات وانتباذ المستضعف والأعزل والمُسنّ والجنين ؟ هذه الأتداءات تتوجّه في اتجاه مناقضٍ تماماً لاحترام الحياة وتمثّل تهديداً مباشراً لكل ما تنوّه به حضارة حقوق الإنسان . وهي ، في أقصى المطاف ، تشكل خطراً على معنى التعايش الديمقراطي بالذات : فبدلاً من أن تكون مدائننا مجتمعات تحتضن "الحياة المشتركة " ، يخشى من أن تسمي مجموعات من النبوذين والمهمُّشين والمستبعدين والحذوفين ، وإذا أفسحنا النظر إلى أفق عالمي ، كيف يمكننا ألاّ نفكّر أن إعلان حقوق الأفراد والشعوب كما نسميه في الحافل الدولية العُليا ليس إلا مجرد كلام عقيم ما دام يُكشف قناع الأنانية في البلاد الثريّة التي تسدَّ على البلاد الفقيرة باب الوصول إلى النموّ أو تخضعه لمحرّمات خرقاء تمس قضية الإنجاب وتقيم تعارضاً بين الازدهار المادي والنموّ البشري ؟ أفلا يجب أن نعيد النظر في الأنماط الأقتصادي المعتدة اعتماداً متواتراً لدى الدول وبخاصة تلك الأنماط المرهونة بضغوط دولية ةالتي تولِّد وتغذّي أحوالاً من الظلم والعنف تسمي معها حياة شعوب برمتها خاضعة للمهانة والقهر ؟
19- أين جذور مثل هذا التناقض الغريب؟
بالأماكن
أن نكتشفها لإنطلاقاً من تقييم شامل
للنظام الثقافي والأخلاقي ،
وابتداءاً بالذهنية التي تعمل على
توتير معنى الذاتيةّ وتشويهه ، فلا
تعترف بقابليّة الحقوق إلاّ لمن ينعم
باستقلالية تامّة ، أو أقله في
البداية ،ويخلو من كل تبعيّة للآخرين
. ولكن كيف التوفيق بين هذه الرؤية والإعلان
القائل بأن الإنسان كائن "حصين
" ؟ نظريّة الحقوق الأنسانية إنما
ترتكز على إعتبار أن الأنسان ،
خلافاً للبهائم والأشياء ، لا يمكن
أن يخضع لسيطرة أحد . ولا بدّ من أن
بشير أيضاً إلى المنطق الجانح إلى
إقامة المعادلة بين الكرامة اشخصية
وقدرة الأنسان على الاتثال الكلامي
الصريح والذي - على كل حال يمكن
اختباره . من الواضح ان مع مثل هذه
المسلّمات لم يعد من مكان ،في العالم
، للكائن الضعيف ، كالمشرف على
الولادة أو المشرف على الموت ، والذي
يبدو واقعاً كلياً تحت يلطة أشخاص
آخرين ومرتبطاً ارتباطاً جذيراً بهم
وعاجواً عن الاتصال إلاّ بلغة الصمت،
لغة التعايش العاطفي . وهكذا تسمى
القوّة مقياس كل خيار وتصرّف في
العلاقات ما بين الأشخاص وفي الحياة
المجتمعيّة . وهذا يناقض تماماً ما
أرادت الدولة ، تاريخياً ، أن تعلنه
بقولها إنها الجماعة التي تَحلُّ
فيها " قوة المنطق " محل " منطق
القوّة " .
على
صعيد آخر ، نلحظ أن التناقض القائم
بين تأكيد حقوق الإنسان رسمياً
ونفيها المأساوي عملياً ينبع من نظرة
إلى الحريّة تنوّه بالفرد تنويهاً
مطلقاً ولا تعده للتضامن والانفتاح
بلا تحفظ وخدمة القريب . ولئن صح أن
إلغاء الحياة الناشئة أو المدنفة هو
من تبعات شعور منحرف بالتعاطف
والشفقة ، إلاّ أنه لا يمكن أن ننفي
أن حضارة الموت هذه ، في مجملها ،
تنبع من نظرة إلى الحرية مغرقة في
الأنانية ، تسمى في النهاية حريّة
" الأقوياء " ضد الضعفاء
الوازحين .
بهذا المعنى يمكننا أن نفسّر ردَّ
قاين على سؤال الرب : " أين أخوك
هابيل ؟ " : " لا أعلم ! ألعلي حارس
لأخي !" (تك 4-9) أجل كل إنسان هو "
حارس لأخيه " ، لأن الله إنما يكل
الإنسان إلى الإنسان ، ولأن الله
يريد هكذا أن يكل الإنسان إلى
الإنسان . ولأن الله يريد هكذا أن يكل
الإنسان إلى الإنسان ، فإنه يمنُّ
على كل إنسان بالحرية التي تكتسب
بُعداً علاقياً جوهرياً . الحرية من
مواهب الله الكبرى لأنها في خدمة
الإنسان ليبلغ إلى الكمال ببذل الذات
والأنفتاح على الغير . ولكنها،
بالعكس ، عندما تسمى مغرقة في
الأنانية ، فهي تفرغ من معناها الأول
وتُنتقض دعوتها .
ثمة وجه آخر أعمق لا بد من تأكيده : إن
الحرية تنكر ذاتها وتدمّرها وتفضي
إلى إلغاء الغير عندما لا تعود
تُقرُّ ولا تعود تحترم علافتها
الجوهرية بالحقيقة . فكل مرة تسعى
الحرية إلى التملص من كل تقليد وكل
سلطة ، هي مرتكز الحياة الفردية
والإجتماعية ، ينتهي الإنسان بأن
يتخذ بمثابة مقياس وحيد وحاسم
لخيراته ، لا الحقيقة التي توقفه على
نواحي الخير والشر، بل مجرد رأيه
الذاتي والمتقلب ، بل حتى ما تمليه
مصالحه الأنانية ونزواته العابرة.
20-
بهذه النظرة إلى الحرية ، تتلف
الحياة في المجتمع تلفاً ذريعاً .
فإذا فهم كمال الأنا بمعنى
الاستقلالية المطلقة ، فلا بد من أن
نفضي إلى إلغاء الغير ، وقد أمسى
خصماً لا بدَ من اتقائه ، ويغدو
المجتمع هكذا مجموعة أفراد قائمين
بعضهم بإزاء بعض، لا تربطهم علاقات
متبادلة : كل واحد يسعى إلى تثبيت
ذاته بمعزل عن الآخر ، ويرغب في ترجيح
مصالحه الذاتية . ولكن ،في مواجهة نفس
المصالح التي يطالب بها الآخرون ،
يسمى من الضروري البحث عن حل وسط يضمن
لكل فرد في أالمجتمع أكبر قدر من
الحرية . هكذا يزول كل تقيّد بالقيم
المشتركة وبحقيقة مطلقة للجميع ،
وتتيه الحياة الأجتماعية في
نسبيُّة ورمالها المتحركة ، ومن ثم
كل شيء يمسي مادّي تعاهدات ومساومات
، حتى أول حق من الحقوق الأساسية :
أي الحق في الحياة .
والواقع أن هذا ما يحدث أيضاً في نفس
الإطار السياسي في الدولة . فالحق في
الحياة ، هو حق أصيل ومنيع ، يسمى
مادة
جدال وإنكار ، استناداً إلى اقتراع
برلماني أو إلى إرادة جزء من السكان ،
قد يكون هو الأكثرية . وتلك نتيجة
وخيمة من
نتائج نسبية سائدة لا يتصدى لها أحد :
" فالحق " يكفّ عن أن يكون حقاً
إذا لم يعد راسخاً على أساس الكرامة
الحصينة التي يتمتع بها الشخص ، أمسى
مرهوناً بإرادة الأقوى . وهكذا
تتوجّه الديمقراطية ، بالرغم من
مبادئها ، نحو توتاليُّة مميزة ، فلم
تعد الدولة هي " البيت المشترك "
حيث يستطيع الجميع أن يعيشوا حسب
مبادىء المساواة الأساسية بل تحوّلت
إلى " دولة مستبدة " تنتحل حق
التصرف بالضعفاء والعزُّل ، باسم
الطفل الذي لم يولد بعد إلى الشيخ
المسن ، ذلك باسم منفعة ليست ، في
الحقيقة عامة ، في الحقيقة ، سوى
مصلحة القلائل .
ويبدو
هذا كله وكأنه يجري في أتم المراعات
للشريعة ، أقله عند ما يُصوَّت على
القوانين التي تسوّغ الإجهاض والقتل
الرحيم بموجب القواعد الديمقراطية
المزعومة . والواقع أننا بلإزاء مظهر
فاجع من مظاهر الشريعة . والمثالية كل
شخص بشري وتحميها ، نراها مبخوسة في
مرتكزاتها نفسها :" كيف يمكن
التحدّث بعد عن كرامة كل شخص بشري
عندما يسوَّغ قتل الضعفاء والأبرياء
؟ بأسم أي عدالة تمارس أظلم التفرقات
بين الأشخاص ، ويعلن أن بعضعم
يستحقُون الحماية ، والبعض الآخر
تُرفض لهم هذه الكرامة ؟ "16 . عندما نلحظ مثل هذه
التصرفات ففي ذلك إيذان ببدء متاهات
تؤدي إلى تذويب تعايش بشري حقيقي
وتصدّع توام الدولة بالذات .
المطالبة بحق الإجهاض وقتل الجنين
والقتل المريح والاعتراف به
اعترافاً شرعياً ، كل ذلك يؤدي إلى أن
نفرغ على الحرّية البشرية معنىً
فاسداً وجائراً ن معنى سلطة مطلقة
على الآخرين . ولكن في ذلك موت
الحرّية الحقيقية " الحق الحق أقول
لكم من يرتكب الخطيئة يكون عبداً
للخطيئة " (يو 8/ 34).
" من وجهك أستتر " (تك 4/ 14) : كُسوفُ معنى الله ومعنى الإنسان
21 - عندما ننقِّب عن جذور العميق التي يُفرخ منها الصراع بين " حضارة الحياة " وحضارة الموت " لا يمكن أن نتوقف على ما أتينا على وصفه من انحراف في تصوّر معنى الحرية . لا بدّ من أن نبلغ إلى صميم المأساة التي يعيشها الإنسان المعاصر : كسوف معنى الله ومعنى الإنسان . وهو ما يميز المحيط الاجتماعي والثقافي الخاضع للعلمنة التي تمتد بمجسّاتها الطويلة إلى حدّ التنكيل بالجماعات المسيحية نفسها أحياناً. فالذين تدبّ فيهم عدوى هذه الحالة الذهنيّة، سرعان ما ينجرفون في تيار دائرة مفرغة رهيبة: فعندما يفقد الإنسان أيضاً، وكرامته وحياته, ثم إن انتهاك الشريعة الأخلأقية بطريقة منهجية وخصوصاً في المجال الخطير المتصل بالحياة البشرية وكرامتها يحدث نوعاً من الغشاوة المتكاثفة في قدرة الإنسان على إدراك حضوراً حياً ومنقذاً.
بالإمكان أن نستوحي، مرّة أخرى، رواية قتل هابيل على يد أخيه قاين. فبعد اللعنة التي أنزلها الله على قاين، يغفر. إنك قد طردتني اليوم عن وجه الأرض ومن وجهك أستتر وأكون تائهاً شارداً على الارض فيكون أن كل من وجدني يقتلني"(تك 4/ 13-14). إن قاين يحسب أن خطيئته لا يستطيع الرب أن يفغرها وأن مصيره المحتوم أن " يستتر من وجه الرب". فإذا كان قد توصّل إلى الاعتراف بأن خطيئته " عظيمة " فذلك بأنه أدرك أنه في مواجهة مع الله وحكمه العادل . والحقيقة أن الإنسان لا يستطيع أن يقر بخطيئتة ويعي كل فداحتها إلا أمام الرب. وتلك هي أيضاً خبرة داود الذي من بعد أن صنع الشر أمام الرب وأنّبه النبي ناتان (2 مل 11-12) صرخ: " إني عارف بمعاصيّ وخطيئتي أمامي في كل حين" ( مز 50/ 5-6).
22-
ولذا ، فعندما يغرب معنى الله ، يمسي
معنى الإنسان نمهدداً ، على حدّ ما
يعلنه المجمع الفاتيكاني الثاني
بعبارة
مقتضبة: " المخلوقات تتلاشى إذا
انفصلت عن الخالق [...] وأن في نسيان
الله والتغاضي عنه لإظلاماً للخليقة
نفسها " .17 من هنا عجز الإنسان عن أن
يدرك ذاته " مختلفاً سرياً " عن
الخلائق الأرضية الآخرى . وكياناً
عضوياًَ أكثر ما لديه أنه بلغ مرحلة
متقدمة جداً في الكمال . وبانحصاره
ضمن حدود طبيعته المادية الضيقة ،
يسمى نوعاً ما بمثابة " شيء " من
الأشياء ، ولا يعود يفطن لمزيته "
الراقية " وسموّ " وجوده كإنسان
" . ولا يعود بعتبر الحياة هديّة
سنية من يد الله ، وحقيقة " مقدسة
" ، موكولة إلى مسؤوليته ، ومن ثم ،
إلى حمايته ومحبتّه وإجلاله . يحتكره
ويسيطر عليه سيطرة كاملة ويتصرف به
على هواه .
وهكذا
، بإزاء الحياة الناشئة أو الحياة
المدنفة ، يمسي عاجزاً عن أن يتساءل
عن فحوى وجوده ومعناه الصحيح وعن أن
يتبُّى لحظاته الحاسمة بحرية حقيقية
. ولا يعود له من هم الا في "الأنجاز
" فيخلد إلى كل ما هنالك من تقنيات
ممكنة ويبذل جهوداً كبيرة في تنظيم
الولادة والموت ، مسلطاً عليها
رقابته وسيطرته ، هذه الحقائق ، وهي
اختبارات أصيلة لا بدّ من أن تعاش ،
تمسي في عداد الأشياء التي يدَّعي
مجرد " امتلاكها " أو "رفضها
" .
وعلى كلِّ ، عندما تغلى المرجعيّة
إلى الله فليس من المغرب أن يفسد معنى
الأشياء كلها فساداَ ذريعاً وان تمسي
الطبيعة نفسها، وقد كفّت عن أن تكون
" أُماً " ، مجرد " مادة "
معرضة لكل التلاعبات . ويبدو أننا
موّجهون في هذا الا تجاه بتأثير
عقلانية تقنية - علمية تسود الحضارة
المعاصرة وتنفي حتى ضرورة الاعتراف
بحقيقة الخلق ، أو ضرورة احترام قصد
الله في شأن الحياة . مثل هذا نلحظه
أيضاً عند بعض الذين تقلقهم نتائج
هذه الحرية بلا قانون ، فينقلبون إلى
موقف معاكس ،
موقف القانون بلا حرية ، وهذا ما تقع
فيه ، مثلاً ، ايديولوجيات تعترض على
شرعية كل تدخل في الطبيعة وكِأنها
" تؤلهها " فتنكر عليها ، مرة
أخرى ، ارتباطها بقصد الخالق .
والحقيقة أن الإنسان عندما يتصرف "وكأن
الله غير موجود " لا يفقد فقط معنى
سرّ الله ، بل معنى سرّ العالم أيضاً
وسرّ كيانه .
23 -
كسوف معنى الله والإنسان يفضي حتماً
إلى المادية العملية التي
تنشر بذار الفردانية والمنقعية
والمتعيّة . وهنا أيضاً نلحظ قيمة ما
كتبه الرسول من عبرة خالدة : " لما
يروا خيراً في المحافظة على معرفة
الله أسلمهم الله إلى فساد بصائرهم
فأتوا كل منكر " (روم 1/ 28) . هكذا
استبدلت قيم الذات بقيم ذات إليد .
وأمسى البحث عن الرغد المادي هو
الهدف الوحيد الذي يُحسب له حساب .
وأما ما يزعمونه من " نوعية الحياة
" فما هو, في الجوهر , سوى الفعالية
الاقتصادية , والاستهلاك الفوضوي
والجمال ومتعة الحياة الطبيعية ،
بصرف النظر عن معاني الوجود العميق
والنظام العلاقي والروحي والديني .
في مثل هذه القرائن التي يُمثل فيها
العذاب عبئاً ثقيلاً يلازم الوجود
البشري وفي الوقت نفسه ، فرصة للنموّ
الشخصي , نرى الناس " ينتقدونه
بالعقم ويحاربونه كشرّ لا بدَّ من
اتقائه دوماً وباي ثمن . وعندما يتعذر
التغلب عليه وتتلاشى صورة السعادة ,
اقله للمستقبل، تبدو الحياة وكأنها
فقدت كل معناها , وتسوّل للإنسان
نفسُه , أكثر فأكثر ، أن يطالب بحق
إلغائه .
في نفس الوقت هذه القرائن الحضارية ،
لم يعد الجسد في نظرة البعض حقيقة
شخصية مميّزة ، علامةً ومكاناًَ
للعلاقة مع الآخرين ومع الله ومع
العالم ، بل أمسى مجرّد كتلة ماديّة
ومجموعة اعضاء ووظائف وطاقات لا
تستعمل إلا وفاقاً لمقياس اللذة
والفاعلية . وبالنتيجة يمسي الجنس هو
أيضاً عارياً من الطابعة الشخصي ،
وخاضعاً للاستغلال : فبدلاً من ان
يكون علامة وكاناً ولغة للحب ، أي
لبذل الذات والانفتاح على الغير في
كل غنى شخصيته ، يمسي فرصة ووسيلة
لتثبيت الأنا واشباع الرغائب
والغرائز . وهكذا يشوّه وفسد معنى
العلاقة الجنسية في مضمونِها الأصيل
: فالقران والإنجاب ، وهما المعنيان
الملتصقان بطبيعة العمل الجنسي ،
يُعزلات أحدهما عن الآخر . وهكذا
يزيَّف القِران ويمسي الإخصاب
مرهوناً بتحكم الرجل والمرأة . ويصبح
الإنجاب ، من ثم ، هو " العدو "
الذي لا بد من اتقائه في ممارسة العمل
الجنسي ، ولا يُقبل إلاّ بمقدار ما
يلبي شوّق الإنسان أو رغبته في " أن
يكون له ولد " بأي ثمن بينما
الإنجاب بجب أن يعكس حفاوة الإنسان
بالآخر وانفتاحه على ثروة الحياة
التي يحملها الولد .
الرؤية المادية التي اتينا على وصفها
حتى الآن ، تفقر العلاقات بين
الأشخاص إفقاراً ذريعاً . وفي طليعة
المتأذين بذلك : المرأة والولد
والمريض والوجيع والمُسِنّ .
فالمقياس الحقيقي الذي به تقاس
الكرامة والشخصية - مقياس الاحترام
والمجانيّة والخدمة - يحلّ محله
مقياس الفاعلية والوظيفيّة
والمنفعيّة: فالآخر يقدّر لا " بما
هو عليه " بل " بما يملك " وما
" يُنتج "، والأقوى يتغلب على
الأضعف .
24 كسوف
معنى الله ومعنى الإنسان يتم في عمق
الضمير الأدبي ، مع كل ما يواكب ذلك
من تبعات كثيرة ووخيمة تمسّ الحياة .
والمعنيُّ ، أولاً ، هو ضمير كل
فرد ، لأن الضمير في وحدته
الباطنة وبطابعه الفريد يواجه الله
وحده 18 . ولكن "
الضمير الأدبي " الذي يملكه
المجتمع هو معنى أيضاً . فهو
مسؤول ، نوعاً ما لا لأنه يتقبَّل أو
يُشجع تصرفات تناقض
الحياة وحسب ، بل لأنه يغذّي حضارة
الموت أيضاً ، ويذهب إلى حدّ العمل
على خلق وتثبيت " بنُى خطيئة " ،
وتُهدد الحياة . أقلّه بسبب الوسائل
الإعلامية الكثيرة وتأثيرها الزاحف
، لخطر ثقيل جداً ومميت ،
خطر اللّبس بين الخير والشرّ ، في ما
يتعلق تحديداً بما يملكه الإنسان من
حق أساسي في الحياة . ثمة جزء كبير من
المجتمع المعاصر بيدو على شَبَهٍ
مؤسف بأولئك الذين يصفهم القديس بولس
في الرسالة إلى الرومانيين بأنهم "
يجعلون الحق أسيراً للظلم " ( روم 1 /
18 ) . لقد أنكروا الله وحسبوا بإمكانهم
أن يبنوا ، بدونه ، المدينة الأرضية ،
" فتاهوا في آرائهم الباطلة ،
وأظلمت قلوبهم الغبية
(روم 1/ 12) . "زعموا أنهم حكماء ، فإذا
هم حمقى " (روم 1/ 22) ، وقاموا بأعمال
خليقةٍ بالموت ، " ولا يكتفون
بفعلها بل يرضون عن فاعليها " ( روم
1/ 32) . عندما يُقدم الضمير ، وهو عين
النفس النيرة (متى 6/ 22-23) على أن يسمّي
" الخير شراً والشر خيراً " (أش 5/
20) ، فهو ذاهب في طريق الانحطاط
الأدعى إلى القلق والعمى الأدبي
الأكثر ادلهماماً . ولكن جميع هذه
المُؤثوات والجهود المبذلة لفرض
الصمت لا تفلح في إخراس صوت الرب الذي
يدَوي في ضمير كل إنسان ، لأنه من هذا
الحَرَم الحميم ، حَرَمِ الضمير ،
يمكننا استعادة الطريق إلى حب الحياة
والاحتفاء بها والقيام بخدمتها .
" لقد اقتربتم من دمٍ مطهِّر " ( عب 12/ 22،24): علامات رجاء وعوة إلى الالتزام
25- " إن صوت دماء أخيك صارخ إليَّ من الأرض " (تك 4/ 10) ليس فقط دم هابيل ،أول يهدر دمه ، هو الصارخ إلى الله ، مصدر الحياة وموئلها .دم كل إنسان قتيل منذ هابيل هو أيضاً صوت يرتفع إلى الرب ، وبطريقة فريدة ، يصرخ إلى صوتُ دم المسيح الذي يرمز إليه هابيل البريء ، في صورة نبويّة كما يذكرنا بذلك صاحب الرسالة إلى العبرانيين : "أما أنتم فقد اقتربتم من جبل صهيون ، من مدينة الله الحيّ " ... من وسيط عهد جديد ودمٍ " ( عب 12/ 22-24). دم مطهّر وما كان دم الذبائح في العهد القديم ، إلاّ علامة رمزية له وإشارة سابقة : دم الذبائح التي كان الله يكسف فيها عن إرادته في أن يهب ذاته للناس ، مُطِهّراً لهم ومقدساً (خر 25/ 8، أح 17/ 11) . كل هذا قد تحقق واعتلن في المسيح : فرشُّ دمه هو الذي يفتدي ويطهّر ويخلّص . إنه دم وسيط العهد الجديد ، " المهراق من أجل جماعة كثيرة لغفران الخطايا " (متى 27/ 28) . هذا الدم السائل من جنب المسيح المطعون وهو على الصليب ( يو 19/ 34) ، أشدُّ بلاغةً من دم هابيل : إنه يعكس ويطلب " عدالة " أشد عمقاً ، ولكنه يطلب خصوصاً الرحمة 19 , ويغدو وسيطاً لدى الآب من أجل الإخوة (عب 7/ 25) ، وينبوع فداء كامل وعطية حياة جديدة.
إن دم المسيح ، الذي يكشف عظمة حبّ الله ، يعلن أن الإنسان كريم في نظر الله وأن قيمة حياته لا تقدّر . وهذا ما يذكرنا به بطرس الرسول : " إعلموا أنكم لم تعتقوا بالفاني من الفضة أو الذهب ، من سيرتكم الباطلة التي ورثتموها ، بل بدم كريم ، دم الحمل الذي لا عيب فيه ولا دنس " (1بط 1/ 18-19) . فالمؤمن بتأمّلِه في دم المسيح الكريم ، برهان الموهبة التي يمن بها حبّاً للبشر (يو 13/ 1) يتعلّم أن يكشف ويقدّر ما يتمتع به كل إنسان من كرامة شبه إلهية ، ويمكنه أ، يهتف قائلاً بتعجب وشكر متجددين : " أي ثمن هو ثمن الإنسان في عيني الله ، وقد استحقَّ مثل هذا الفادي العظيم ( من صلوات أمسية الفصح ) وبذل الله ابنه لكي لا يهلك الإنسان بل تكون له الحياة الأبدية " (يو3/ 16) .
ثم إن دم المسيح يكشف للإنسان أن عظمته ، وبالتالي دعوته ، هي بذل ذاته بذلاً كاملاً . ولأن دم يسوع يُسفك كعظية حياة ، فهو لم يعد علامة موت وانفصال حاسم عن إخوته ، بل وسيلة وثروة حياة للجميع . فمن يشرب هذا الدم ، في سرّ الإفخارستية ، ويثبت في يسوع (يو7/ 56) يُجرف في تيار حبه وبذل حياته ، لكي يبلغ إلى قمة دعوته الأولى إلى الحب، وهي دعوة كل إنسان (تك 1/ 27، 2/ 18-24 ) .
كل الناس يغرفون أيضاً من دم المسيح قدرة التطوع لخدمة الحياة . هذا الدم هو ، بالتحديد ، أقوى دواعي الرجاء ، بل هو مركز اليقين المطلق أن الحياة في خُطّة الله سوف تنتصر : " لم يبق للموت وجود ! " ذاك كان الصوت العظيم الهاتف من عرش الله في أوراشليم السماوية ( رؤ21/ 4) . ويؤكد لنا القديس بولس أن فوزنا على الخطيئة اليوم إنما هو علامةٌ وإيذان للانتصار الحاسم على الموت ، عندما يتم قول الكتاب : " قد ابتَلعَ الظَفَرُ الموت " . فأين ، يا موت ، ظفرك ؟ وأين ، يا موت ، شوكتك ؟ " (1قور 15/ 54-55 ) .
26- الحقيقة أننا تلحظ
في مجتمعاتنا وفي ثقافاتنا علامات
تنبئ بهذا الظفر ، وإن تميرت بطالع
شديد من "حضارة الموت ". قد نرسم
إذن لوحة ناقصة يمكنها أن تقودنا إلى
فشل عقيم إذا لم نضف إلى التشهير
بالأخطار الحدقة بالحياة ، نظرة إلى العلامات
الإيجابية الفعّالة في الوضع
البشري المعاصر .
من الؤسف أن هذه العلامات الإيجابية
قلما تظهر للعيان وقلما يُكتَرَثُ
لها ، وذلك ، ولا شك ، لأن وسائل
الإعلام لا تعيرها من الانتباه إلاَّ
قليلاً . إلاَّ أن ثمة مبادرات كثيرة
لمساعدة ومساندة الضعفاء والعزّل قد
اعتمدت ولا تزال تعُتمد في الجماعات
المسيحية والممجتمع المدني على
الصعيد المحلي والوطني والدولي
ويقوم بها أفرادٌ وجماعاتٌ وحركاتٌ
ومنظماتٌ متنوعة .
ثمة أزواج يتحملون بسخاء مسؤولية الإنجاب ويحسبون الأولاد أجمل " هدية من هدايا الزواج " . 21 ولا يخلو المجتمع من عيل تتخطى خدمة الحياة اليومية وتعير اهتمامها أولاداً مشردين ، وشباباً في ضائقة ، وأشخاصاً أو مسنّين لا سند لهم . ثمة مراكز كثيرة لنجدة الحياة ، او مؤسسات مماثلة يقوم بخدمتها ، بكثير من التفاني والتضحية ، أفراد أو جماعات يبذلون دعماً معنوياً ومادياً لأمهات يكابدن من العسر ما يسوّل لهنّ الركون إلى الإجهاض . وهناك من يعمل أيضاًُ على خلق وإنماء مجموعات من المتطوعين تتجند لضيافة من ليس لهم محيط تربوي يساعدهم في التغلب على عادات مضرّت والعودة إلى سراط حياة صحيح .
وأما الطب فيتجند له ، بكثير من الإندفاع ، باحثون وأعضاء مهن طبية يواصلن جهودهم للعثور على وسائل ناجعة أكثر فأكثر ، ويحرزون اليوم من النتائج ما لم يكن يقع في خَلَد إنسان ، وما يفسح آفاقاً واعدة لصالح الحياة الناشئة ونجدة الموجوعين والمرضى المتضايقين أو المدنفين . ثمة مؤسسات ومنظمات متنوعة تتجنّد لتشرك في منافع الطب المتقدّم البلاد لأكثر تعرضاً للبؤس وللأمراض المستوطنة . وثمة أيضاً جمعيات وطنية ودولية من الأطباء الذين يهرعون لنجدة الشعوب التي تعاني من كوارث طبيعية أو من أوبئة وحروب . لا شك أننا لا نزال أبعد من أن نحقق عدالة دولية حقيقية كاملة في توزيع الفوائد الطبية ، ولكن كيف لا نتوسم ، في التقدمات المنجزة ، دلائل تضامن متزايد بين الشعوب ، وشعور إنساني وأدبي جدير بالثناء واحترام أعظم للحياة .
27- في مواجهة التشريمعات التي سمحت بالإجهاض والمساعي التي أفلحت ، هنا وهناك ، في تشريع القتل الرحيم التي أفلحت ، نشأت حركات ومبادرات في العالم كله لتحسيس المجتمع بضرورة الوقوف إلى جانب الحياة . هذه الحركات، عندما تنقاد لإلهامها الصحيح وتعمل بحزم وتصميم ، ولكن بدون الركون إلى العنف ، تساعد في توسيع الوعي لقيمة الحياة ، وتبعث وتحرز تطوّعات أرسخ للذود عنها.
وكيف لا مذكّر إلى ذلك
، بكل ما يُبذل يوميّاً من ضيافة
وتضحية متجرة ، يقوم بها عن حب
عدد لا يحصى من
الأشخاص في العيل والمشافي والمياتم
ومآوي العجز وفي مراكز أخرى أو في
جماعات تذود عن الحياة ؟ لقد كانت
الكنيسة دوماً باستلهامها قصة يسوع
عن " السامري الرحيم " (لو 10/ 29-37)
في طليعة جبهات المحبّة هذه : كثيرون
هم أبناؤها وبناتها ، ولاسيما
الراهبات والرهبان الذين كرسوا ولا
يزالون يكرّسون حياتهم لله ، بطرق
تقليديّة أو متجدّدة ، ويقدمونَها
حباً بالقريب الأضعف والأفقر . إنهم
يبنون في العمق " حضارة المحبة
والحياة " التي بدونها يفقد وجود
الإنسان، أفراداً ومجتمعاً ، معناه
الإنساني الأصيل . حتى وإن لم يتنبَّه
لهم أحد ، حتى وإن ظلوا مُستَترين عن
الإنظار الأغلبية ، فالإيمان يؤكد
لنا أن الآب " الذي في الخفية " (متى
6/ 4) لن يكافئهم وحسب ، بل سوف يوليهم
الخصب منذ الآن، ويؤتيهم ثماراً تدوم
لخير الجميع .
من بين علامات الرجاء ، لا بد من أن نسجّل، لدى الكثير من شرائح الرأي العام ، نمو شعور جديد يسيدُّ اعتراضاً على استعمال الحرب لحلّ الصراعات بين الشعوب ، وأكثر اتجاهاً نحو البحث عن وسائل فعّالة، ولكن " لا عنفية "، لصد العدوّ المسلّح . وفي نفس هذا السياق ، لا بدَّ من أن نُدرج أيضاً ، لدى الرأي العام ، اشمئزاز متزايداً من عقوبة الموت، حتى وإن اعتُبرت مجرّد وسيلة " دفاع شرعي " عن المجتمع ، وذلك بداعي ما يملكه المجتمع المعاصر من وسائل فعّالة لكبح الجرم ، فيُكَفّ المجرمُ عن جرمه ، من دون أن يُنتزع منه نِهائياً إمكانه افتداء ذاته .
لا بدّ من أن نحيّيَ أيضاً تحية ايجابية التنبه المتنامي لنوعية الحياة والبيئة ، التي نلحظها خصوصاً في كل ترقباتهم في معضلات البقاء ،بل في البحث عن تحسين مستوى الحياة في جمل أوضاعها . استعادة البحث المسلكي في شؤون الحياة تكتسب اليوم أهمية خاصة ، وما نلحظه في علم مسلكية الحياة من تطوّر مستمر يساعد في إكمال الفكر والحوار - بين المؤمنين وغير المؤمنين ، وبين المؤمنين من أديان مختلفة - في المسائل المسلكية الأساسية المتصلة بحياة الإنسان .
28- هذا المشهد الذي
تخالطه ضلال وإضواء يجب أن يوعّينا
كلنا على أننا اليوم في مواجهة صراع
شديد ومأساوي بين الشر والخير ، بين
الموت والحياة ، بين "حضارة الموت
" "وحضارة الحياة ". ولسنا فقط
في "مواجهة هذا الصراع "، بل
حتماً في وسطه : كلنا مدفوعون إليه
دفعاً قوياًّ ، وليس بالإمكان أن
نتملّص من مسؤوليتنا في اختيار
الحياة اختياراً بلا شرط.
إن ما أمر به موسى أمراً واضحاً
وحازماً يتوجه إلينا نحن أيضاً : "
انظر إني قد جعلت اليوم بين يديك
الحياة والخير والموت والشر ... لقد
جعلت بين أيديكم الحياة والموت ،
البركة واللعنة . فاختر الحياة لكي
تحيا أنت وذريتك " (تث 30/ 15-19) . هذا
الأمر يتطبق علينا أيضاً نحن
الملزمين أن نختار كل يوم بين "
حضارة الحياة " و" حضارة الموت .
بيد أن هذا النداء الوارد في سفر
تثبية الإشتراع يبدو لنا أشد عمقاً
لأنه يطالبنا بأن يكون خيارنا دينياً
وأدبياً ، بحيث نفرغ على وجودنا وجهة
أساسيَّة ، ونحيا بأمانة وانسجام مع
شريعة الربّّ : " إني آمرك اليوم أن
تحب الرب إلهك وتسير في طرقه وتحفظ
وصاياه ورسومه وأحكامه ... فاختر
الحياة لتحيا أنت وذريتك . أحبب الربّ
إلهك وأطِع أمره وتشبّث به لأن به
حياتك وطول أيامك في الأرض ..." (تث 30/
16، 19-20)
اختيارنا الحياة بلا شرط وقيد يكتسب ملء معناه الديني والأدبي ، إذا نبع من الإيمان بالمسيح وتكوّن به وتغذّى منه . وليس ما يساعدنا في أن نواجه أيجابياً ما نحن غائصون فيه من صراع بين الموت والحياة ، مثل الإيمان بأبن الله الذي تأنس وجاء بين الناس "لتكون لهم الحياة وتفيض فيهم " (يو 10/ 10) : إنه الإيمان بمن قهر الموت بقيامته ، إنه الإيمان بدم المسيح الأفضل من دم هابيل " (عب12/ 24) .
أمام تحديات الوضع
الراهن وفي ضؤ هذا الإيمان، تعي
الكنيسة وعياً أشدّ ما يؤتيها الرب
من نعمة ومسؤولية ، لتعلن
إنجيل الحياة وتحتفي به
وتقوم بخدمته.
الفصل الثاني
أتيت لتكون لهم الحياة
البلاغ المسيحي في شأن الحياة
" لقد تجلّت الحياة فرأيناها " (1يو1/ 2) : لنرفع نظرنا إلى المسيح، كلمة الحياة"
29 - في مواجهة ما لا يُحصى من الأخطار الفادحة التي تضغط على الحياة في العالم المعاصر ، قد يصيبنا شعور مرهق بعجر لا يمكن التغلب عليه : وهو أن الخير لن يكون أبداً من القوّة بحيث ينتصر على الشر !
من هنا دعوة شعب الله ، ودعوةُّ كلّ مؤمن فيه ، إلى أن يجاهر ، بتواضع وجرأة ، بإيمانه بيسوع المسيح ، " كلمة الحياة " (1يو1/ 1) . إنجيل الحياة ليس مجرد تأمل، وإن أصيلاً وعميقاً ، في الحياة البشرية . وليس هو فقط مجرد وصيّة تتوخىّ تنبيه الضمير. إنجيل الحياة حقيقة ملموسة وشخصية ، قوامها أن نبشر بشخص يسوع بالذات. فيسوع يُعلن لتوما الرسول ولكل إنسان من خلاله، أنه هو " الطريق والحق والحياة" (يو 14/ 6). نفس هذه الهويّة. من آمن بي يحيا وإن مات. ومن يحيَ مؤمناً بي لا يمتْ أبداً " (يو 11/ 25-26). يسوع هو الأبن الذي يتلقَّى الحياة من الآب منذ الأزل (يو 5/ 26) ، وقد جاء بين الناس ليشركهم في هذه العطيّة : " لقد جئت لتكون لهم الحياة وتفيض فيهم " (يو10/10) .
فمن منطلق كلام يسوع
وعمله وشخصه ، يستطيع الإنسان إذن أن "يعرف"
الحقيقة كلّها ، في شأن الحياة
البشرية ، ومن هذا "النبع "
يتلقى القدرة "ليعمل الحق"
كاملاًًً (يو3/ 21) أو ليضطلع بملء
المسؤولية تجاه الحياة البشرية
فيشملها بحبه وخدمته ويدافع عنها
ويعمل على تطويرها .
ففي المسيح يُعلن إعلاناً نهائياً
ويُعطى كاملاً إنجيل الحياة
هذا الذي نراه ماثلاً في وحي العهد
القديم ، وشبه مكتوب في قلب كل رجل
وكل امرأة ، ومُدوّياً في كل ضمير "منذ
البدء " ، أي منذ الخلق ، بحيث
يمكن أن نعرفه ، عن طريق العقل ، في
ملامحه الأساسية ، بالرغم مِمّا
يُحيق من ظروف سلبية ناجمة عن
الخطيئة . وقد جاء في المجمع
الفاتيكاني الثاني أن المسيح " جاء
يحضر بين البشر ويُظهر لهم ذاته ،
بأقواله وأعماله ، ثم بآياته وعجائبه
، وخاصة بموته وقيامته المجيدة من
بين الأموات ، وأخيراً بإرساله روح
الحق . هكذا أكمل مكشوفات الله للبشر
، بعد أن أنجز في ذاته كل ما جاء في
الوحي ، بعد أن ثبّت بشهادته الإلهية
أن الله مقيم في ما بيننا ، ليحرّرنا
من ظلمات الخطيئة والموت وينهضنا إلى
حياة لا تزول " 22.
30 نود إذن أن نشخص بنظرنا إلى الرب يسوع لنسمعه يردّد لنا "كلام الله " (يو3/ 34) ونتأمل ثانية في إنجيل الحياة وما ينطوي عليه . تُأمّلُ هذا البلاغ الموحى في شأن الحياة البشرية قد أدرك يوحنا الرسول محتواه في أعمق معانيه وأكثرها أصالة. وقد كتب في مطلع رسالته الأولى :"ذاك الذي كان منذ البدء ، ذاك الذي سمعناه ، ذاك الذي رأيناه بعينينا ، ذاك الذي تأملناه ، ذاك الذي لمسته يدانا من كلمة الحياة -لأن الحياة تَجلَّت فرأيناها ونشهد لها ، ونبشركم بتلك الحياة الأبدية التي كانت عند الآب فتراءت لنا - ذاك الذي رأيناه وسمعناه نبشركم به لتشاركونا أنتم أيضاً " (1يو1/ 1-3).
ففي يسوع ، " كلمة
الحياة " بشارة تُبشّرنا بالحياة
الإلهية الأبديّة وتوهب لنا . بفضل
هذه البشرى وهذه العطية تكتسب حياة
الإنسان الجسديّة والروحيّة ، حتى في
طورها الأرضي ، ملءَ قيمتها ومعناها :
فالحياة الإلهية والأبدية هي الهدف
الذي يرمي إليه الأنسان العائش في
هذا العالم وإليه يُدعى. وهكذا يتضمن إنجيل
الحياة ما تنبئ عنه الخبرة
نفسها والعقل البشري من قيمة الحياة
، فيتقبلها ويرتقي بِها ويرفعها إلى
ذروة كمالها.
" الرب عزّي وتسبيحي ، لقد كان لي خلاصاً " (خر 15/ 2) : الحياة خير دائماً
31 - الحقيقة أن قمة
البلاغ الإنجيلي عن الحياة قد مُهد
لها في العهد القديم . وقد اكتشف
إسرائيل خصوصاً في أحداث سفر الخروج -
وهي محور خبرة الإيمان في العهد
القديم - إلى أي حدّ كانت حياته
كريْمة في عيني الله. ففي الوقت الذي
خُيل فيه إليه أنه مُِعدٌّ للإبادة ،
بسبب الخطر المميت المحدق بجميع
مواليده (خر1/ 15-22) ظهر له الرب مخلّصاً
قادراً على أن يضمن مصيراً لمن لا
رجاء له . وهكذا نشأ في إسرائيل وعي
وهيف : وهو أن حياته ليست تحت سطوة
فرعون يستطيع أن يستبدّ بِها كما
يشاء ، بل هي بالعكس موضوع حب وقيق
وعميق من قبل الله.
الإعتاق من العبوديّة هي عطيّة هويّة
، واعترافً بكرامة حصينة ، وبدء
تاريخ جديد ، حيث اكتشاف الله
واكتشاف
الذات يتحقَّقان معاً. خبرة شفر
الخروج هذه أساسية ومثالية. فقد
تعلّم منها إسرائيل أنه ، كلّ مرّة
يُهدّد في وجوده ، يكفيه أن يلوذ
بالله بثقة متجدّدة ليجد فيه دعامةً
واسخة: "قد جبلتك فأنت عبد لي ،
وأنا لن أنساك يأ إسرائيل " (اش44/ 21)
.
هكذا اكتشف إسرائيل قيمة وجوده كشعب
، فأخذ يتقدم في استيعاب معنى الحياة
وقيمتها في حدّ ذاتها . وأخذت تلك
الفكرة تتطور في الأسفار الحكميّة ،
انطلاقاً من الخبرة اليومية لهشاشة
الحياة ومن التنبه للأخطار التي تحدق
بها . في مواجهة تناقضات الوجود لا
بدّ للإيمان من أن يجد لها في طليعة
المشكلات التي تتحدّى الإيمان
وتمتحنه مشكلة الألم. كيف لا نجد في
تأمل سفر أيوب صدىً لشكوى الإنسان في
مداها الشامل. فالبريء الذي يسحقه
الألم يفضي، بطريقة
مفهمومة إلى التساؤل : "لِمَ يعطي
للشقي نور ، وحياة لذوي الأنفس
المُرّة ، المتوقعين للموت فلا يكون،
الباحثين عنه في كثافة الظلمة ،
يحدونا الأيمان إلى الإقرار "بالسر
" في روح الثقة والعبادة : " قد
علمت أنك قادر على كل أمر ، فلا يتعذر
عليك مراد " ( أي 42/ 2) .
يعلّمنا الوحي، شيئاً فشيئاً، أن
ندرك بجلاء أكثر فأكثر وضوحاً، ما
زرعه الخالق في قلب البشر من بذار
الحياة الخالدة: أنشأ كل شيء حسناً في
وقته وجعل ممرَّ الدهور أمام أعينهم
..." ( جا 11/3 ). بذار هذا " الكل"
وهذا "الملء" ينتظر أن يتجلٌى في
الحب وأن يكتمل، بعطيٌة مجانيٌة من
الله، في الاشتراك في حياته الأبدية.
اسم يسوع قد ردَّ القوّة على هذا الرجل " (رسل 3/ 16) : في هشاشة هذا الوجود البشري ، يدفع يسوع معنى الحياة إلى ذروته ".
32- خبرة شعب العهد
تتجدّد في حياة كل "المساكين"
الذين يلتقون يسوع الناصري. فكما أن
الله "المحب الحياة" (حك11/ 27) قد
أمن إسرائيل وسط الأخطار ، كذلك يعلن
ابن الله اليوم للمهدَّدين
والمضايقين في وجودهم أن حياتهم هبة
يفرغ عليها حبّ الله معنى وقيمة . "العمي
يبصرون والكسحان يمشون والبرص
يبرأون والصمّ يسمعون والموتى
يقومون والفقراء يبشَّرون " (لو7/ 22)
. أقوال أشعيا النبي هذه (35/ 5_6، 61/ 1)
يستشهد بِها يسوع ليفسّر معنى رسالته
: فالمصابون في وجودهم بضرب من ضروب
الإعاقة ، يسمعون منه البشرى الحسنة
، بشرى رفق الله بهم . ويتثبتون من أن
حياتهم هي أيضاً عطيَّة محفوطة حفظاً
شديداً بين يدي الله (متى 6/ 25-34).
ويخصُّ يسوع "الفقراء
" بأقواله وأعماله. فجماهير المرضى
والمهمشين الذين يتبعونه ويجدّون في
إثره (متى 6/ 25-23). ويكتشفون في كلامه
ومآثره ما تتميّز به حياتهم من قيمة
منيفة وما يرتكز عليه انتظار خلاصهم.
وتلك هي أيضاً مهمة الكنيسة ، منذ
مطلع تاريخها . فهي تبشّربأن يسوع
الذي مضى من مكان إلى آخر يعمل الخير
ويبرئ جميع الذين استولى عليهم ابليس
، لأن الله كان معه (رسل 10/ 38) ، تعلم
أنها هي أيضاً تحمل تبلاغ خلاص يدوّي
، بكل جدّية ، في أوضاع البؤس والفقر
التي يجتازها الإنسان في حياته . هذا
ما فعله بطرس عندما أبرأ المُقَّعَدَ
الذي كان يُضجع كل يوم على باب هيكل
أوراشليم المعروف "بالبابالحسن"
، ليلتمس الصدقة . فقال له بطرس : "لا
فضة عندي ولا ذهب ، ولكني أعطيك ما
عندي : باسم يسوع المسيح امشِ " (رسل
3/ 6) . بالإيمان بيسوع ، "ملك الحياة"
(رسل 3/ 15)، تستعيد الحياة الثاوية
ههنا ، مهملة " ومتوسّلة " ،
وعيَها لذاتها ولملء كرامتها .
أقوال يسوع وأعماله
وأقوال الكنيسة وأعمالها لا تتوجّه
فقط إلى من يعاني المرض . العذاب
والتهميش على أنواعه ، بل هي تُوغِل
إلى أعمق من ذلك وتمسُّ كل إنسان في
صميم معنى حياته وأبعادها الأدبية
والروحية. فمن يُقرُّ بأن حياته
موسومة بمرض الخطيئة يستطيع وحده ،
في لقائه يسوع المخلّص ، أن يستردَّ
حياته في حقيقتها وأصالتها ، على حدّ
قول يسوع : "ليس الأصحاء بمحتاجين
إلى طبيب ، بل المرضى . ما جئت لأدعو
الأبرار إلى التوبة بل الخاطئين " (لو
5/ 31-32) .
وأما من يتوهَّم ، كالمزارع الموسر الذي ورد ذكره في المثل الإنجيلي ، أنه يستطيع أن يضمن حياته بمرجرّد امتلاكه الثروات الماديّة، فهو لا شك، مخطىء . فحياته ليست ملكه ، وسرعان ما تُنْزع منه ، قبل أن يُوفَّق في اكتناه معناها الحقيقي: "يا جاهل في هذه الليلة تُستَرَدَ نفسُكَ منك ، فلمن يكون ما أعددته؟" (لو12/ 20).
33-ونحن نلحظ، في حيات يسوع نفسها ، من بدايتها حتى نهايتها، تلك "الجدلية" القائمة بين خبرة هشاشة الحياة البشرية ، والتنويه بقيمتها. والواقع أن حياة يسوع ، منذ مولده ، موسومة بالهشاشة . لا شك أن الأبرار بادروه بالإيثار والترحيب، متحدين في ذلك بما أضهرته مريم من قبول فوري وتهلّل (لو1/ 38) ، ولكنّ ثمة أيضاً ، منذ البدء ، ذلك الرفض من قبُل عالم يباديه بالعداوة باحثاً عن الصبي "ليقتله" (متى 2/ 13) ، أو مظهراً اللامبالاة وعدم الاكتراث لتحقيق سرّ هذه الحياة الوالجة في العالم : "ولم يكن لهما موضع في الفندق " (لو 2/ 7) التعارض بين التهديدات والمخاطر من جهة ، وقدرة عطيّة الله من جهة أخرى ، يُبرز ، بقوة أعظم ، سنى المجد النابع من بيت الناصرة ومن مزود بيت لحم : هذه الحياة الناشئة هي للبشرية بأسرها مصدر خلاص.
تناقض الحياة ومحاذيرها يتقبلها يسوع تقبلاً كاملاً : "لقد افتقر لأجلكم، وهو الغني ، لتغتنوا بفقره " (2 قور 8/ 9) . الفقر الذي يتكلم عنه القديس بولس ليس هو التجرّد من المزايا اللإلهية وحسب ، بل هو أيضاً المشاركة في الأحوال المعيشية الأشد تواضعاً وهشاشة في الحياة البشرية. ( فيل 2/ 6-7). وقد مارس يسوع هذا الفقر طوال حياته كلها حتى لحظة الصليب الأخيرة : "لقد وضع نفسه وأطاع حتى الموت ، الموت على الصليب. لذلك رفعه الله ووهب له الاسم الذي يفوق جميع الأسماء (فيل 2/ 8-9). ولا شك أن يسوع بموته كشف كل عظمة الحياة وقيمتها ، لأن تقدمة ذاته على الصليب قد غدت لجميع الناس ينبوع حياة جديدة (يو 12/ 32). وعندما واجه يسوع تناقضات الحياة وتلاشيها ، كان على يقين بأنها بين يدي الله ولذا استطاع أن يخاطبه ، وهو على الصليب ، بقوله : " يا أبتِ في يديك أجعل روحي!" (لو23/ 47)، أي حياتي . ما أعظم قيمة الحياة البشرية حقاً ، ما دام ابن الله قد تلبّسها وجعلها وسيلة خلاص للبشرية قاطبة.
مدعوّون... إلى أن نكون على مثال صورة الله " (روم8/ 28-29) مجد الله يتألق في وجه الإنسان
34- الحياة خيرُ في كل الأحوال: ذلك حدسُ بل معطى من معطيات الخبرة ، على الإنسان أن يكتنه معناه.
لماذا الحياة خير؟ سؤال يجول في كل صفحات الكتاب المقدّس ، ويلقى ، منذ صفحاته الأولى، جواباً حازماً ومعجباً. الحياة التي يمنّ بها الله على الإنسان تختلف وتتميّز عن حياة كل خليقة حيّة أخرى ، وذلك بأن الإنسان ، مع انتسابه إلى التراب (تك2/ 7؛ 3/ 19؛ أي34/ 15؛ مز103/ 14؛ 104/ 29) هو من تجليات الله في الأرض وعلامة حضوره وأثر من آثار مجده (تك1/ 26-27، مز8/ 6) . وهذا ما أراد القديس إيرناوس أن ينوّه به أيضاً في عبارته المأثورة :"مجد الله هو الإنسان الحي" . 23 الإنسان قد حظي بكرامة رفيعة جداً ، تضرب جذورها في الرباط الحميم الذي يشدّه إلى خالقه: ففي الإنسان يسطع شعاع من حقيقة الله ذاتها.
هذا ما يؤكده سفر التكوين في رواية الأولى لمطالع الخلق ، وفيها أن الله خلق الإنسان وجعله قِمّةً في الكائنات وشبه إكليل لها ، وذلك في نهاية تطور انطلق من حالة الخواء لينتهي إلى أكمل خليقة أبدعها الله. كل شيء في الخليقة ، مسخّر للإنسان ، وكل شيء مُخضعّ له: "املأوا الأرض وأخضعوها وتسلّطوا... على جميع الحيوان الدابّ على الأرض " (تك 1/ 28). هكذا صدر أمر الله للرجل والمرأة. وثمة بلاغ آخر نقع عليه في الرواية الثانية لبداية الخلق : "وأخذ الربّ الإله الإنسان وجعله في جنة عدنٍ ليفلحها ويحرسها" (تك2 / 15) . هكذا نلحظ أن الله يثبّت ثانية سلطة الإنسان على الأشياء ؛ فالأشياء ملكه وموكولة إليه ؛ إلاّ أنه لا يسوغ ، أياً كان السبب ، أن يُستعبد الإنسان لأمثاله من البشر، ولا أن يُحدر، نوعاً ما، إلى مستوى الأشياء .
في الرواية الواردة في الكتاب المقدس ، الفرق بين الإنسان وسائر المخلوقات واضح جليّ ، وذلك بأن خلق الإنسان وحده ، يصوره لنا الكتاب نتيجة قرار خاص من قبل الله ، وثمرة تشاور يقيم علاقة خاصة ومميزة بالخالق : "لنصنع الإنسان على صورتنا كمثالنا " (تك1 / 26) . فالحياة التي يمَنُّ بها الله على الإنسان ، عطيَّة يشرك بها الله خليقته في شيءٍ من ذاته.
لقد تساءل إسرائيل طويلاً عن معنى هذه الصلة الخاصة والممّيزة القائمة بين الإنسان والله. سفر ابن سيراخ يعترف هو أيضاً بان الله ، عندما خلق البشر ، "ألبسهم قوّة بحسب طبيعته وصنعهم على صورته " (سير 17/ 3 ) . ويُنيط الكتاب المقدّس بهذه المزية ن لا تسلطهم على العالم وحسب، بل أخص ما ينعم به الإنسان من طاقات روحية ، أي العقل وقدرة التمييز بين الخير والشرّ والإرادة الحرّة : "ملأهم من معرفة الحكمة وأراهم الخير والشر" ( سير 17/ 7) قدرة البلوغ إلى حقيقة الحقيقة والحرية هي من مزايا الإنسان ، وذلك بأنه خُلق على صورة خالقه الإله الحقّ والعدل (تث 32/ 4 ) . الإنسان وحده، بين الخلائق ، "بوسعه أن يعرف خالقه ويحبّه " 24 . الحياة التي يكرم يها الله الإنسان هي أكثر من مجرّد وجود في الزمن . إنها امتداد إلى "ملء الحياة" وبذار وجودٍ يتخطى حدود الزمن : "إن الله خلق الإنسان خالداً وصنعه على صورة ذاته " (تك2/ 23) .
40 إذا كانت الحياة مقدسة ، فهي تنعم بحصانة منقوشة ، منذ البدء، في قلب الإنسان وفي ضميره. فالسؤال الذي طرحه الله لى قاين بعد أن فتك بأخيه هابيل: "ماذا فعلت؟ " (تك 4 / 10) يُترجم خبرة كل إنسان: ففي عمق أعماق ضميره يُنبّه دائماً إلى وجوب التقيّد بحصانة الحياة - حياته وحياة الآخرين- باعتبارها واقعاً لا يملكه، لأنها ملك الله وعطية من لدن خالقه وأبيه.
الوصية المتعلقة بحصانة الحياة البشرية تدوّي في قلب "الكلمات العشر" ، يوم أعطي الميثاق في سيناء (خر 34/ 28) هذه الوصية تحرّم القتل أولاً : " لا تقتل " (خر 20/ 13) ؛ "البريء والزكي لا تقتلهما (خر 23/ 7). ولكنها تحرم أيضاً - كما ورد تفسير ذلك لاحقاً في شريعة إسرائيل - كلَّ ضرٍر يُلحَق بالآخرين (خر 12/ 12-27) لا بدّ من الإقرار بأن أكتراث العهد القديم لقيمة الحياة- مع ثبوته - لا يضاهي بعد ما نلقاه من رهافة في عظة الجبل، وذلك ما نلحظه في بعض وجوه الإشتراع الاقتصاصي السائد في تلك الأيام، ويتضمّن عقوبات جسدية باهظة وحتى عقوبة الموت. ولكن بلاغ العهد القديم في مجمله ، بانتظار ما سوف يجريه عليه العهد الجديد من دفع إلى الكمال، إنما هو دعوةٌ مُلِحَّة إلى احترام قدسيّة الحياة الجسدية وسلامة الجسم الإنساني ؛ ويبلغ هذا البلاغ إلى ذورته في الوصيَّة الإيجابية القاضية على كل فرد بأن يعامل قريبه معاملته لذاته" أحبب قريبك كنفسك" (أخ 19/ 18).
41- وصية "لا تقتل" المتضمّنة والمعمقّة في الوصية الإيجابية، الداعية إلى محبة القريب، يعود الرب يسوع إلى تثبيتها في كل قوّتها. فالشاب الغني الذي سأل يسوع: " يا معلم ، ماذا أعمل من الخير لأنال الحياة الأبدية؟" أجابه يسوع: "إذا أردت أن تدخل الحياة، فاحفظ الوصايا" (متّى 19 / 16-17). وذكر له يسوع، في طليعتها، وصية "لا تقتل!" (19/ 18). في عظة الجبل، طلب يسوع من تلاميذه أن يزيد برَّهم على برّ الكهنة والفريسيين في كل المجالات، ومنها احترام الحياة: "سمعتم أنه قيل للأوّلين: لا تقتل، فإن من يقتل يستوجب القضاء. أما أنا فأقول لكم: من غضب على أخيه استوجب القضاء"( متّى 5/ 21022).
وقد فسّر يسوع بعدئذ، باقواله وأفعاله، ما تنطوي عليه وصية احترام الحياة من مقتضيات إجابية. هذه المقتضيات كانت ملحوظة في العهد القديم، حيث كان الشرع يُعنى بحماية ووقاية الضعفاء والمهدّدين في حياتهم، كالغريب والأرملة والمريض والفقير على وجه الإجمال، وحتَّى الحياة قبل الولادة (خر 21/ 22؛ 22/ 20-22). هذه المقتضيات الإيجابية اكتسبت، مع يسوع، قوّة ودفعاً جديدين، وتجلّت في كل مداها وعمقها: من ضرورة الاعتناء بحياة الأخ ( المنتمي إلى ذات الأسرة، وذات الشعب، والغريب الساكن في أرض إسرائيل)، إلى الإهتمام بالغريب، فإلى محبّة العدوّ.
فالغريب لم يعد غريباً لمن يجب عليه أن يكون قريباً من كل ذي حاجة إلى حدّ الشعور بمسؤوليته عن حياته، كما يعلّمنا ذلك، بطريقة بليغة وحيّة، مثَلُ السامري الرحيم (لو10/ 25-37) . حتى العدو لا يعود عدواً في نظر من هو مُلزَمٌ بمحبته ( متّى 5/ 38-48؛ لو 6/ 27-35) و"بمادرته بالخير" (لو 6/ 27-33-35) والاضطلاع بحاجاته الحياتية بعجل وبروح المجانيّة (لو6/ 34-35). هذه المحبة تتوّجها الصلاة من أجل العدوّ، انسجاماً مع محبة الله الرحيمة: "أما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم وادعوا لمظطهديكم فتكونوا بني أبيكم الذي في السموات، لانه يُطلع شمسه على الأشرار والأخيار ويُنزل غيثه على الأبرار والفجّار" (متّى 5/44-45؛ لو6/28، 35) .
وصية الله القاضية بحماية حياة الإنسان تبلغ هكذا إلى أعمق مستوى بما تفرضه من حرمة وحب لكل إنسان ولحياته. هذا هو التعليم الذي يوجّهه الرسول بولس إلى المسيحيين في روما، مرجّعاً صدى أقوال يسوع (متى 19/17-18): "إن الوصايا التي تقول :" لا تزن، لا تسرق، لا تشتهِ" "أحبب قريبك حبّك لنفسك". فالمحبّة لا تُنزل الشرّ بالقريب، والمحبّة إذاً تمام العمل بالشريعة " (روم 13/9-10).
أنموا واكثروا واملأوا الأرض وأخضعوها" (تك1/28): مسؤوليات الإنسان تجاه الحياة
42- حماية الحياة وترقيتها، واحترامها ومحبتها، مهمّة وكلها الله إلى كل إنسان. وقد دعاه، هو صورته الحيّة، إلى مشاركته السيادةَ على العالم: "وباركهم الله وقال لهم: انموا واكثروا واملأوا الأرض وأخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وطير السماء وجميع الحيوان الدابّ على الأرض" (ت1/28)
هذا النص الكتابي يظهر السلطة التي وكلها الله على الإنسان في كل مداها وعمقها. وهي أولاً السيادة على الأرض وعلى كل كائن حيّ، كما يذكرّنا بذلك سفر الحكمة: "يا إله الآباء، يا رب الرحمة.. يا فاطر الإنسان بحكمتك لكي يسود على الخلائق التي كوَّنتها ويسوس العالم بالقداسة والبر" (حك1/2-3). صاحب المزامير ييوّه، هو أيضاً، بسيادة الإنسان، دليلاً على المجد والكرامة اللذين يالهما من يد الخالق:"سلّطته على أعمال يديك، وأخضعت كل شيء تحت قدميه، الغنم والبقر كلها وبهائم الصحراء أيضاً، وطير السماء وسمك البحر السائر في سُبُل البحار" (مز8/7-9)
يتحمّل الإنسان، وقد دعاه الله إلى أن يحرث جنّة العالم ويحرسها، مسؤولية مميّزة تجاه بيئة الحياة، أي تجاه الخليقة التي جعلها الله في خدمة الإنسان وكرامته الشخصية وحياته، وذلك لا للحاضر وحسب، بل للأجيال المُقبلة أيضاً. تلك هي مسألة البيئة - انطلاقاً من المحافظة على المآوي الطبيعية لمختلف أنواع الحيوانات وأشكال الحياة ووصولاً إلى "البيئة البشرية" بمعناها الحصري التي تجد لهان في هذه الصفحة من الكتاب المقدّس درساً مسلكياً على جانب من الوضوح والقوّة، يلهمنا حلولاً تراعي حرمة الحياة - وهي الخير الأعظم- وكل حياة ولكنّ "السيادة التي منحها الخالق للإنسان ليست، في الحقيقة، سيادة مطلقة، ولا يسوغ أن تعزو إلى الإنسان "حرية الإستعمال حتى التمادي" والتصرف بالأشياء على هواه يُعبٍّر عنه ويرمز إليه تحريم "الأكل من ثمر الشجرة" (تك2/16-17) يُظهر بما يكفي من الوضوح أننا، في اطار الطبيعة المرئيةن خاضعون لا لقوانيين بيولوجية وحسب، بل لشرائع أدبية لا يمكن خرقها بلا قصاص" 29
43- بعض مشاركة الإنسان في سلطة الله يتجلّى أيضاً في المسؤولية المميَّزة الموكولة إليه تجاه البشريَّة في معناها الخصوصي. هذه المسؤولية تبلغ شأوها في الإنجاب، عندما يهب الرجل والمرأة الحياة في الزواج، كما يذكّر بذلك المجمع الفاتيكاني الثاني: "الله نفسه هوالذي قال: "لا يحسن أن يكون الإنسان وحده" (تك 2/18) ؛ و"إن الخالق من البدء خلقهما ذكراً وأنثى" (متى 19/4) ، وقد أراد أن يشركه إشراكاً خاصاً في عمله الخلاّق، وبارك الرجل والمرأة قائلاًً: "أنموا واكثروا" (تك1/28)" 30.
عندما يتكلّم المجمع عن "اشتراك خاص" للرجل والمرأة في "عمل الله الخلاّق"، فغايته التركيز على أن إنجاب البنين إنما هو شأن إنساني صميم، وعمل ديني رفيع يلزم الزوجين، بما هما "جسد واحد"، ويَتِمُّ فيه حضور الله نفسه. وقد كتبتُ في رسالتي إلى الأَُسَر: "عندما يولد إناس جديد من قران اثنين في الزواج، فهو يحمل معه إلى العالم صورة وشبهاً خاصاً بالله نفسه: بيولوجية الإنجاب تنطوي على سُلالية النسب. فعندما تؤكد أن الزوجين، بصفتهما والدين، يعاونان الله الخالق في تكوين وإنجاب كائن بشري جديد، لا نشير فقط إلى قوانين البيولوجيا، بل نريد أن نؤكد خصوصاً أن الله نفسه حاضر في الأبوة والأمومة البشريتين، بطريقة تختلف عما يجري في كل عمل إنجاب "على الأرض". ولا غرو، فالله وحده هو مصدر تكل "الصورة" وذلك المثال" اللذين هما مزيّة الإنسان، كما جرى ذلك في الخلق. فعمل الإنجاب هو مواصلة لعمل الخلق 31.
هكذا يصبح الرجل والمرأة المتحدان بوثاق الزواج شريكين في عمل إلهي : وذلك بأنهما، بعمل الإنجاب، يستقبلان عطية الله، ويفتحان، أمام حياة جديدة، الطريق إلى المستقبل.
ولكن مهمَّة استقبال الحياة وخدمتها تتخظىَّ الرسالة المميّزة التي يضطلع بها الوالدان وتتوجه إلى الجميع، ويجب أن تظهر خصوصاً "تجاه الحياة الخاضعة، أكثر من غيرها، لظروف الضعف. المسيح نفسه يذكّرنا بذلك عندما يطالبنا بأن نحبّه ونخدمه في اخوته المبتلَين بأي ضرب من ضروب العذاب: الجياع العطاش والغرباء والعراة والمرضى والسجناء... فما نفعله لأحد هؤلاء، إنما نفعله للميسح نفسه (متّى 25/31-46)
" أنت الذي جبل كليتيّ" (مز 138/ 13): كرامة الطفل الذي لم يولد بعد
44- تمر الحياة البشرية بوضع كثير الهشاشة عندما تدخل العالم وعندما تخرج من الزمن لتفضي إلى الأبدية. كلام الله لا يخلو من نداءات إلى أن نحيط الحياة بالعناية والحرمة ولاسيّما حياة المرضى والعجّز. اذا لم تكن ثمة دعوات مباشرة وصريحة إلى حماية الحياة البشرية في مطلعها، ولاسيما التي لم تولد بعد، والحياة المشرفة على نهايتها، فتفسير ذلك أن مجرّد إمكان الإساءة إلى الحياة أو الاعتداء عليها أو التنكّر لها في مثل هذه الظروف غريب عن المفاهيم الدينية والثقافية عند شعب الله.
في العهد القديم كان الناس يجزعون من العقم ويعتبرونه لعنة. وأمّا كثرة الأولاد فكانوا يحسبونها نعمة من الله: "إن البنين ميراث من الرب وثمرة البطن ثواب منه" (مز 126/3؛ 127/3-4) وينضاف إلى هذا اليقين اعتبار اسرائيل ذاته شعب العهد ومدعواً إلى التكاثر تحقيقاً للوعد الذي أُبرم لأبراهيم : "أنظر إلى السماء وأحص الكواكب إن استطعت أن تحصيها. وقال له: هكذا يكون نسلك" (تك 15/5). ولكن اللافت خصوصاً، في هذا المجالن الاعتقاد بأن الحياة التي ينقلها الوالدان مصدرها الله، كما تُثْبِتُ ذلك الصفحاتُ الكتابية الكثيرة التي تتحدَّث باحترام وحبّ عن الحمْل ونشوء الحياة في رحم الأم والولادة والصلة الوثيقة بين اللحظة التي تبدأ فيها الحياة وعمل الله الخلّق.
"قبل أن أصوّرك في البطن عرفتُك َ، وقبل أن تخرج من الرحم قدَّستك..." (إر1/5): وجود كل إنسان، منذ البدء، مُدرجٌ في تصميم الله. ويتوقف أيوب ، وهو في هوَّة عذابه، على تأمل الله في الطريقة المعجزة التي تمَّ بها تكوين جسده في رحم أمه؛ ويستمدُّ من ذلك مدعاة إلى الثقة ، ويعرب عن يقينه بأن لله مقصداً في حياته: "يداك جَبَلَتاني وصوَّرتاني بجملتين والآن تمحقني؛ اذكر أنك صوّرتني مثل الطين، أفتعيدني إلى التراب؟ ألم تكن قد صَبْبتَني كاللبن وجمَّدتني كالجبن، وكسوتني جلداً ولحماً وجَبَكْتَني بعظام وعَصَبٍ ؟ وحياة ونعمة آتيتني وحفظَتْ عنايتك روحي" (أي10/8-12) . ونسمع في المزامير أيضاً نغمات تعجّب وإجلال لتدخّل الله في الحياة الناشئة في أحشاء الأم 35
كيف يمكننا أن نتصوّر أن لحظة واحدة في السياق العجيب ، الذي يفضي إلى ظهور الحياة، يمكن أن تُحيَّدَ عن عمل الخالق ورعايته الحكيمة والمُحبّة وتُتركَ عرضةً لتَحَكُمِ الإنسان. لا شكَّ أن مثل هذا التفكير لم يكن ليخطر على بال أمّ الإخوة السبعة التي هبّت تعلن إيمانها بالله مبدإ الحياة وضمانها منذ لحظة تكوينها ، إلى جانب كونه مرتكز رجاء الحياة الجديدة من بعد الموت: (( لَستُ أَعلَمُ كَيفَ نَشأتُم في أَحْشائي، ولا أَنا وَهَبتُكمُ الرُّوحَ والحَياة، ولا أَنا نَظَّمتُ عَناصِرَ كُلٍّ مِنكم. 23 ولِذلك فإِنَّ خالِقَ العالَم، الَّذي جَبَلَ الجِنسَ البَشَرِي والَّذي هو أصلُ كُلِّ شَيَء، سيُعيدُ إلَيْكم بِرَحمَتِه الرُّوحَ والحَياة، لِأَنَّكم تَستَهينونَ الآن بِأَنفُسِكم في سَبيلِ شَرائِعِه )).
45- وحي العهد الجديد يُثبت قيمة الحياة منذ نشاتها والاعتراف بها اعترافاً لا مراء فيه. فالأقوال التي تعرب بها اليصابات عن فرحها بأنها حامل، تكشف عن حبورها بالخصب وحنينها المتوثّب إلى الحياة: "هذا ما صنع الربّ إليّ ... ليُزيلَ عني العار بين الناس" (لو 1/25). ولكن قيمة الإنسان منذ تكوينه كانت مدعاة لاحتفاء أعظم في اللقاء ما بين مريم العذراء وأليصابات وبين جنينيهما. فالطفلان هما اللذان كشفا عن بدء الزمن المسيحاني، وقد بدأت تعمل، منذ لقائهما، والقوّة الفادية النابعة من حضور ابن الله بين الأنام. وقد كتب القديس أمبروسيوس في ذلك : "لقد بدأَتْ تظهر فوراً فوائد مجيء مريم وحضور الربّ... أليصابات كانت أوّل من سمع الكلمة، وامّا يوحنّا فأول من شعر بالنعمة. الوالدة قد سمعت سماعاً بحسب الطبيعة وامّا الولد فقد ارتكض بحسبّ السرّ. هي عناية مجيء المرأة، والولد مجيء الولد. الإمرأتان تبادلتا أقوال نعمةٍ، وأمّا الطفلان فقد أخذا يعملان في داخلهما ويحقّقان سرّ الرحمة ويتقدّمان بوالدتيهما في طريقهما.
وأخيراً تنبأت الأمّان، بمعجزة مزدوجة، بوحي من ولديهما. الولد جذل وتهلل والأم امتلأت من الروح القدس. لم تسبق الأم طفلها إلى الامتلاء من الروح القدس، ولكن عندما امتلأ الابن من الروح القدس، أسبغه على أمه" (36).
"آمنتُ ولذلك تكلّمت: إنّي عُنّيتُ جداً" (مز 115 / 10): الحياة في أوان الشيخوخة والعذاب
46- من المغالطة التاريخية أن ننتظر من الوحي الكتابي، في شأن اللحظات الأخيرة من الحياة، إشارة صريحة إلى المعضلة الراهنة المتصلة باحترام المسنين والمرضى، أو حكماً صريحاً على المساعي الهادفة إلى استعجال نهاية الحياة بالعنف. فنحن ههنا في محيط حضاري وديني بعيد كل البعد عن التعرّض لمثل هذه المحاذير، لا بل نراه يتوسّم، في المُسِنّ وما يحمله من حكمة وخبرة، ثروةً لا تُضاهى للأسرة والمجتمع.
تتمتع الشيخوخة بهالة من الهيبة وتنعم بالإكرام (2مك 6 / 23) ولا يطلب الصدّيق أن يُعتَقَ من الشيخوخة وأعبائها، بل نراه بالعكس يصلّي هكذا: "أنك أنتَ رجائي أيها السيد الرب، أنتَ متّكلي منذ صبائي... وفي أيام الكِبَر أيضاً والمشيب لا تخذلْني يا الله حتى أُخبِر هذا الجيل بقدرتك والأجيال المقبلة بجبروتك (مز 70 / 5، 18). ويُعتبر نموذجاً للزمن المسيحاني الزمن الذي "لا يكون فيه شيخ لم يستكمل أيامه..." (أش 60 / 20).
ولكن كيف السبيل إلى أن نواجه، مع الشيخوخة، ما لا بدَّ منه من دنوّ أجَل الحياة؟ ما هو موقفنا من الموت؟ يعلم المؤمن أن حياته بين يدي الله: "الرب حظ قسمتي" (مز15 / 5)، ويقبل الموت من يده: "لا تخشَ قضاء الموت... هذا هو قضاء الرب على كل ذي جسد، لِمَ ترفض ما هو مرضاة العلي؟" (سير 41 / 4). فكما أن الإنسان لا يملك على الحياة، فهو لا يملك أيضاً على الموت. ففي حياته كما في موته، عليه أن يلوذ "بمرضاة العلي"، ويخضع لقصد حبّه.
وعندما يحلّ المرض بالإنسان عليه أيضاً أن يركُنَ إلى إرادة الرب ويجدّد بالله مرتكز ثقته، "هو الذي يشفي جميع أمراضه" (مز 102 / 3). وعندما يُغلَقُ دونه كلُّ أمل بالصحة، بحيث يُلجأ إلى القول: "أيامي كظلٍ مائلٍ وقد يبستُ كالعشب" (مز101 / 12)، حتى عندئذٍ يظل قلب المؤمن حافلاً بإيمان لا يتزعزع بقدرة الله المحيية. فالمرض لا يدفعه إلى اليأس ولا إلى إلتماس الموت، بل إلى دعاء مُفعمٍ بالرجاء: "آمنت حتى حين قلت: إن بؤسي لشديد!" (مز 115 / 10)، "أيها الرب إلهي إليك صرخت فشفيتَني، يا رب من مثوى الأموات أصعدتَني ومن بين الهابطين في الهاوية أحييتني" (مز 30 / 3- 4).
47- رسالة يسوع مع ما رافقها من أشفية كثيرة، دليل على أن الله يهتم أيضاً بحياة الإنسان الجسدية. فهو "طبيب الجسد والروح" (37)، أرسله الآب ليبشّر الفقراء ويجبر القلوب المنكسرة (لو4 / 18، أش 61 / 1). وقد أرسَلَ هو أيضاً تلاميذه إلى العالم ووكل إليهم رسالة يترافق فيها شفاء المرضى والبشارة بالإنجيل: "أعلنوا في الطريق أن قد اقترب ملكوت السماوات، اشفوا المرضى وأقيموا الموتى وأبرئوا البرص واطردوا الشياطين" (متى 10 / 7- 8، مر6 / 13، 16 / 18).
لا شك أن حياة الجسد، في حالتها الأرضية، ليست قيمة مطلقة في نظر المؤمن: فقد يُطلَب منه أن يتخلّى عنها في سبيل خير أعظم، على حدّ قول يسوع: "من يريد أن يُخلّص حياته يفقدها، وأمّا الذي يفقد حياته في سبيلي وفي سبيل البشارة فإنه يخلصها" (مر8 / 35). وإننا لنجد في ذلك عدداً من الشواهد في العهد الجديد. فيسوع لا يتردد في أن يبذل ذاته ويجعل من حياته تقدمة حرّة لأبيه (يو10 / 17) ولأصدقائه (يو10 / 15). وموت يوحنا المعمدان، سابق المخلّص، يشهد أيضاً أن الوجود الأرضي ليس هو الخير المطلق: فالأمانة لكلام الله أهمُّ بكثير حتى وإن كلّفت الإنسان حياته (مر6 / 17-29). وعندما حُكِمَ على اسطفانوس بأن تُنتزَع منه حياته الأرضية، لأنه كان شاهداً أميناً لقيامة الرب، نراه يتشبّه بمعلمه وينطق بكلمات صفح عن الذي يرجمونه (رسل7 / 59- 60)، مفتتحاً بذلك الطريق لجمهور لا يُحصى من الشهداء الذين تكرّمهم الكنيسة منذ مطلع تاريخها.
بيد أنه لا يحق لأحد أن يختار، على هواه، بين الموت والحياة، لأن بيد الخالق وحده مطلقية هذا الخيار، هو الذي "فيه حياتنا وحركتنا وكياننا" (رسل 17 / 28).
كل من تمسّك بها (أي الشريعة) فله الحياة" (با 4 / 1): من شريعة سينا إلى موهبة الروح
48- إن الحياة تحضن حقيقتها منقوشة فيها نقشاً لا يزول. فالإنسان الذي يتلقّى عطية الله، عليه أن يصون الحياة طبقاً لهذه الحقيقة التي هي قوام جوهرها. وكل مَن يحيد عنها فهو يزجّ نفسه في الطريق المسدود والبلاء وما ينجم عن ذلك من أنه هو نفسه يمسي خطراً لحياة الآخرين بسبب تفجّر الحواجز التي تضمن للحياة في جميع أحوالها الاحترام والحماية.
حقيقة الحياة كشفها الله لنا في وصيّته. كلام الرب يُبيّن لنا بدقة الوجهة التي يجب على الحياة أن تتجه فيها لتظلّ في احترام حقيقتها وصون كرامتها. فليست الوصية المحددة القائلة: "لا تقتل!" (خر 20 / 13، تث 5 / 17) هي التي تضمن وحدها الحياة: فشريعة الرب كلها مطوّعة لهذه الحماية، لأنها تكشف الحقيقة التي تستطيع فيها الحياة أن تصيب معناها الكامل.
لا عجب إذن أن يرتبط عهد الله مع شعبه ارتباطاً وثيقاً بفكرة الحياة حتى في مكوّناتها الجسدية. فالوصية، في نظر هذا الميثاق، هي طريق الحياة: "انظر! إني قد جعلت اليوم أمامك الحياة والخير، والموت والشر. إذا سمعت وصايا الرب إلهك التي أنا آمركَ بها اليوم، محباً الرب إلهك وسائراً في سبله وحافظاً وصاياه وفرائضه وأحكامه، تحيا وتكثر ويباركك الرب إلهك في الأرض التي أنت داخل إليها لترثها" (تث 30 / 15- 16). ليست القضية هنا قضية أرض كنعان أو شعب إسرائيل وحسب، بل قضية العالم كله، اليوم وغداً، وقضية البشرية بأسرها. والواقع أنه ليس من الممكن، ولا بوجه من الوجوه، أن تظل الحياة أصيلة وزاخرة إذا انقطعت عن الخير، والخير، هو أيضاً، مرتبط ارتباطاً أساسياً بوصايا الرب، أي "بشريعة الحياة" (سير17/ 11). فالخير الذي علينا أن نحققه لا يُضاف إلى الحياة إضافة عبء باهظ، وذلك بأن غاية الحياة هي الخير، والحياة لا تقوم إلاّ على عمل الخير.
الشريعة في مجملها هي التي تحفظ إذن حياة الإنسان حفظاً كاملاً. وفي هذا ما يفسّر صعوبة الأمانة لوصية "لا تقتل" إذا انعدم التمسك "بكلمات الحياة" الأخرى (رسل 7 / 38) التي تلتحق بها هذه الوصية. بمعزلٍ عن هذه النظرة تمسي الوصية مجرّد إلزامٍ خارجي سُرعان ما يُصار إلى اكتشاف محدوديته ومعالجته بالتخفيفات والاستثناءات. عبارة "لا تقبل!" لن تستعيد وهجها بوصفها خيراً للإنسان في كل مجالاته وعلاقاته إلاّ إذا استوعبنا ملء الحقيقة في شأن الله والإنسان والتاريخ. من هذا الملحظ نستطيع أن تدرك ملْ الحقيقة المتضمنة في سفر تثنية الاشتراع، الذي يستشهد به يسوع في ردّه على التجربة الأولى: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الرب" (تث 8 / 3، متى 4 / 4).
الإنسان، بسماعه كلام الرب، يمكنه أن يحيا في ملء الكرامة والبر، وباتباعه شريعة الله يمكنه أن يحمل ثمار حياة وسعادة: "كل من تمسَّك بها فله الحياة والذي يهملونها يموتون" (با 4 / 1).
49- يبيّن لنا تاريخ إسرائيل أنه من الصعب أن يبقى الإنسان أميناً لشريعة الحياة التي نقشها الله في قلب الإنسان وأعطاها لشعب العهد في سيناء. وأمّا الذين راحوا يفتشون عن طرق أخرى تناقض مشيئة الله في شأن الحياة، فقد ذكّر الأنبياء خصوصاً تذكيراً صارماً بأن الرب وحده هو مصدر الحياة الحقيقي. وقد كتب إرميا: "إن شعبي صنع شرّين: تركوني أنا ينبوع الحياة الحية، وحفروا لأنفسهم آباراً، مشققة لا تمسك ماءً" (إر 2 / 13). ويشير الأنبياء بإصبع الاتهام إلى الذين يحتقرون الحياة وينتهكون حقوق الإنسان: "يدوسون رؤوس الضعفاء على تراب الأرض" (عا 2 / 7)، "تركوني ... وملأوا هذا المكان من دم الأبرياء" (إر 19 / 4). ويندّد النبي حزقيال، غير مرة بمدينة أورشليم ويسمّيها "مدينة الدماء" (حز 22 / 2 ، 6 / 9)، "والمدينة التي يُسفك الدم في وسطها" (حز 22 / 3).
ولكن الأنبياء، عندما يندّدون بالانتهاكات التي تستهدف الحياة، يتوّخون خصوصاً أن يبعثوا في النفوس ترقّب مبدأ حياة جديد قادر على أن يُرسي علاقات مجدّدة بين الإنسان والله وبين الإنسان وإخوته، ويفسح المجال لإمكانات عجيبة وخارقة لتفهّم جميع مقتضيات إنجيل الحياة ووضعها موضع التنفيذ. ولا يكون هذا ممكناً إلاّ بفضل عطية الله التي تنقّي وتجدّد: "وأرشّ عليكم ماً طاهراً، فتطهرون من كل نجاستكم، وأطهّركم من جميع قذاراتكم. وأعطيكم قلباً جديداً وأجعل في أحشائكم روحاً جديداً" (حز 36/25-26 ، إر31/31-34). مع هذا القلب الجديد، يصبح بالإمكان أن نستوعب ونحقق معنى الحياة في مضمونه الأصح والأعمق: وهو أن الحياة عطية تَكمُل في عطية الذات. وذاك هو البلاغ الساطع في شأن قيمة الحياة، النابع من صورة خادم الرب: "إذا قرّب نفسه ذبيحة إثم يرى ذريّة وتطول أيامه..... بسبب عناء نفسه يرى النور" (أش 43 / 10-11).
وتكمل الشريعة في سيرة يسوع الناصري والقلب الجديد الذي يأتينا من روحه. ولا غرو، فيسوع لا يلغي الشريعة بل يكمّلها (متى5 / 17)، ويتلخّص الناموس والأنبياء في القاعدة الذهبية، قاعدة المحبة المتبادلة (متى 7 / 12). ففي يسوع، تغدو الشريعة نهائياً "إنجيلاً" وبشرى سيادة الله على العالم تعيد الوجود كله إلى جذوره وآفاقه الأصيلة. هي الشريعة الجديدة "شريعة الروح الذي يهب الحياة في المسيح يسوع" (روم 8 / 2). هذه الشريعة عبارتها الأساسية بذل الذات حباً بالإخوة، على مثال الرب الذي بذل نفسه في سبيل أحبائه (يو 15 / 13): "نحن نعلم أننا انتقلنا من الموت إلى الحياة لأننا نحب إخوتنا" (1يو 3 / 14). إنها شريعة حرية وفرح وغبطة.
"سينظرون إلى من طعنوا" (يو 19 / 37): على شجرة الصليب يكتمل إنجيل الحياة
50- في ختام هذا الفصل الذي تفحّصنا فيه البلاغ المسيحي في شأن الحياة، أودّ أن أتوقّف مع كل واحد منكم على تأمل ذاك الذي طعنوه والذي جذب إليه البشر أجمعين. (يو 19 / 37، 12 / 32). عندما ننظر إلى "مشهد" الصليب (لو23 / 48)، بوسعنا أن نكتشف في هذه الشجرة المجيدة اكتمال إنجيل الحياة كله وملء انكشافه.
في الساعات الأولى من بعد ظهر الجمعة المقدسة "انحجبت الشمس فخيّم الظلام على الأرض كلها....... وانشق ستار المقدِس من الوسط" (لو 23 / 44-45)، وكان ذلك رمزاً لانقلاب كوني وصراع مريع بين قوة الخير وقوى الشر، بين الحياة والموت. ونحن اليوم أيضاً وسط صراع فاجع بين "حضارة الموت" و"حضارة الحياة". ولكنَّ سنى الصليب لا يحجبه هذا الديجور، لا بل نرى الصليب يظهر بنتوء ووضوح أعظم، ويبدو للتاريخ كله ولحياتنا البشرية كلها محوراً ومعنىً وهدفاً.
لقد سُمِّرَ يسوع على الصليب ورُفِعَ عن الأرض، واختَبَرَ "عجزه" في أعمق درجاته وبدت حياته عرضة لتهكّم أعدائه وفريسة بين أيدي جلاديه، فَهُزِئَ به وسُخِرَ منه واهين (مر15/ 24- 36). ومع ذلك صرخ قائد المئة الروماني، أمام هذا المشهد كلّه، وقد رآه يلفظ الروح: "كان هذا الرجل ابن الله حقاً!" (مر 15 / 39). هكذا اعتلنت هوية ابن الله، وهو في أعمق ضعفه، وتجلّى مجده على الصليب.
لقد أنار يسوع بموته لكل إنسان معنى حياته ومعنى موته. وقد صلّى يسوع إلى أبيه، قُبَيل موته، وطلب الصفح لمضطهديه (لو 23 / 34)، واللص الذي سأله أن يذكره في ملكوته، أجابه قائلاً: "الحقَّ أقول لك، اليوم ستكون معي في الفردوس" (لو 23 / 34-43). وبعد موته "تفتّحت القبور، فقام كثير من أجساد القديسين الراقدين" (متى 27 / 52). الخلاص الذي حققه يسوع هو عطية حياة وقيامة. وقد حقق يسوع الخلاص مدة وجوده على الأرض، بإجرائه الأشفية وعمل الخير للجميع (رسل 10 / 38). ولكن المعجزات والأشفية وإقامة الأموات نفسها ما كانت سوى علامات تؤذن بخلاصٍ آخر قوامه الصفح عن الخطايا، أي اعتاق الإنسان من مرضه الأنكد والارتقاء به إلى حياة الله بالذات.
على الصليب تجددت وتحققت، في ملء الكمال وبطريقة حاسمة، آية الحية التي رفعها موسى في البرية (يو 3/ 14-15، عد 21 / 8-9). واليوم أيضاً كل إنسان مهدد في وجوده، إذا شخص بنظره إلى ذاك الذي طعنوه، وجد من راسخ رجاء ما يخوّله الحصول على نعمة التحرر والفداء.
51- ولكن هناك حدثاً معيّناً آخر يسترعي نظري ويبعث فيّ لهيب التأمل: "لمّا تناول يسوع الخلّ قال: "تمَ كل شيء"، ثم حنى رأسه وأسلم الروح"(يو 19 / 30).
وطعنه جندي روماني "بحربة في جنبه فخرج لوقته دم وماء" (يو 19 / 34).
كل شيء بلغ إذن إلى ذروة تمامه. فالعبارة "أسلم روحه" تصف موت يسوع شبيهاً بموت كل كائن بشري، ولكنها قد تلهم أيضاً "موهبة الروح" التي بها افتدانا من الموت وأشرع لنا الطريق إلى حياة جديدة.
لقد أُعطيَ الإنسان أن يشارك الله حياته ذاتها. هي الحياة المنقولة باستمرار، بواسطة أسرار الكنيسة التي يرمز إليها الدم والماء الخارجان من جنب المسيح إلى أبناء الله الذين يصبحون بذلك شعب العهد الجديد. فمن الصليب ينبوع الحياة يولد "شعب الحياة" وينتشر.
التأمل في الصليب يقودنا هكذا إلى أعمق جذور ما حدث. فيسوع الذي قال عند دخوله العالم: "هاأنذا آتٍ لأعمل بمشيئتك" (عب 10 / 9) أراد أن يطيع أباه في كلّ شيء. وإذ كان قد أحبّ خاصته الذين في العالم، بلغ به الحب إلى أقصى حدوده" (يو13 / 1) باذلاً نفسه لأجلهم بذلاً كاملاً.
وهو الذي "لم يأتِ ليُخدَم بل ليَخدُم ويفدي بنفسه جماعة الناس" (مر 10 / 45)، بلغ، وهو على الصليب، ذروة الحب: "ليس لأحد حب أعظم من أن يبذل نفسه في سبيل أحبائه" (يو 15 / 13). وقد مات هو نفسه من أجلنا إذ كنا خاطئين (روم 5 / 8).
هكذا أعلن يسوع أن الحياة عندما تُبذَل تبلغ شأوها ومعناها ومِلْأها. وهنا يغدو التأمل حمداً وشكراً، ويحثّنا، في الوقت نفسه، على التشبّه بيسوع والسير في خطاه (1بط 2 / 21).
إننا مدعوون نحن أيضاً إلى أن نبذل حياتنا من أجل إخوتنا، محققين بذلك، في ملء الحقيقة، معنى وجودنا ومصيره.
وبإمكاننا أن نحقق ذلك لأنك أنت، يا رب، أعطيتنا القدوة وأوليتنا قوة روحك. بإمكاننا أن نحقق ذلك إذا أطعنا الآب، كل يوم، معك ومثلك، وعملنا بمشيئته.
أعطنا إذن أن نصغي، بقلب طيّع وسخيّ، إلى كل كلمة تخرج من فم الله، فنتعلّم هكذا ألاّ نقتل حياة الإنسان، لا بل أن نجلّها ونحبّها وندعمها.
الفصل الثالث
لا تقتل!
شريعة الله المقدسة
"إذا أردت أن تدخل الحياة، فاحفظ الوصايا" (متى 19 / 17) الإنجيل والوصية
52- "إذا برجل يدنو فيقول له: "يا معلم ماذا أعمل من صالحٍ لأنال الحياة الأبدية؟" (متى19 / 16)، فأجابه: "إذا أردتَ أن تدخل الحياة الأبدية فاحفظ الوصايا" (متى19 / 17). المعلم يتكلم عن الحياة الأبدية، أي عن الاشتراك في حياة الله نفسها. ونبلغ إلى هذه الحياة بحفظ وصايا الرب، ومن ضمنها وصية "لا تقتل". هي أولى الوصايا العشر التي يذكّر بها يسوع الشاب الذي جاء يسأله ما هي الوصايا التي عليه أن يحفظها: "فقال يسوع: "لا تقبل. لا تزنِ. لا تسرق..." (متى 19 / 18).
وصية الله لا تُفْصـَل أبداً عن محبة الله: إنها دوماً عطيةٌ من الله لنموّ الإنسان وابتهاجه. وهي، في حدّ ذاتها، ملمح جوهري وعنصر من عناصر الإنجيل لا يمكن التخلّي عنه! لا بل يتمثل لنا "إنجيلاً"، أي بشرى حسنة ومبهجة. إنجيل الحياة هو أيضاً عطية جزيلة من عطايا الله، وفي الوقت نفسه واجب يُلزم الإنسان. هذه الوصيّة تبعث في الإنسان الحرّ دهشاً وامتناناً وتتطلب منه أن يتقبّلها ويحفظها ويستثمرها ويعنى بها بروح المسؤولية الدقيقة: فالله عندما يهب الإنسان الحياة يُلزمه بأن يحترمها ويحبّها ويطوّرها. وهكذا تصبح العطية وصية والوصية عطية.
الإنسان هو صورة الله الحيّة وقد أراده خالقه ملكاً وسيّداً: "ولقد صنع الله الإنسان – يقول القديس غوريغوريوس النيصي – بحيث يكون أهلاً للسلطة الملكيّة على الأرض [....] الإنسان ملك أيضاً. فالطبيعة البشرية التي خُلِقَت لتسود العالم، بسبب شُبهها بملك الكون، قد صُنِعتْ صورةً حية تشارك في المثال الأعلى بالكرامة"(38). لقد دُعِي الإنسان إلى أن ينمو ويكثر ويُخضِع الأرض ويسود الخلائق الأخرى (تك1 / 28). فهو من ثم ملك وسيد لا على الأشياء وحسب بل أيضاً وخصوصاً على ذاته (39)، وبطريقة ما، على الحياة التي وُهبت له والتي يستطيع أن ينقلها بفعل الولادة، إذا تمّ في الحب واحترام قصد الله. ولكن سيادته ليست مطلقة، بل هي خدمة، وانعكاس حقيقي لسيادة الله الوحيدة واللامتناهية. ولذا، على الإنسان أن يمارس هذه السيادة بحكمة ومحبة وفي روح المشاركة في حكمة الله ومحبته اللتين لا قياس لهما.
ويتحقق هذا في الخضوع لشريعته المقدسة، خضوعاً حراً وجَذِلاً (مز 119) ينبع ويتغذّى من الشعور بأن وصايا الرب هي عطية من عطايا النعمة، عُهِد بها إلى الإنسان دوماً وأبداً لخيره ليصون بها كرامته ويسعى لسعادته.
ليس الإنسان إذن هو السيد المطلق ولا الحَكَم اللامنازع على الأشياء، وبأولى حجةً على الحياة – وعلى هذا تقوم عظمته التي لا يضاهيه فيها أحد – بل هو "في خدمة القصد الذي أقامه الخالق (40). لقد عُهد بالحياة إلى الإنسان كنزاً يجب ألا يبذّره ووزنة يجب استثمارها. وعلى الإنسان أن يؤدّي للرب عنها حساباً (متى 35 / 14- 30، لو 19 / 12- 27).
"من يد كل إنسانٍ أطلُبُ نفس أخيه" (تك9 / 5): الحياة البشرية مقدسة ولا يسوغ انتهاكها
53- "حياة الإنسان مقدّسة لأنها تفترض، منذ البدء، عمل الله الخلاّق، وتظلّ أبداً في علاقة خاصة مع الخالق، هدفها الوحيد. فالله هو سيد الحياة من بدايتها حتى نهايتها: ولا يسوغ لأحد، أياً كانت الظروف، أن يدّعي لنفسه حق القضاء مباشرة على كائن بشري بريء" (41). بهذه الكلمات تعرض وثيقة "عطية الحياة" المحتوى الأساسي لما أوحاه الله في شأن قدسيّة الحياة البشرية وحصانتها.
الواقع أن الكتاب المقدس يوجّه إلى الإنسان وصية "لا تقتل" على أنها أمرٌ إلهي. (مز30 / 13 تث 5 / 17). هذه الوصية – وقد شدّدت على ذلك – متضَمّنة في الوصايا العشر، في صميم الميثاق الذي عقده الرب مع الشعب المصطفى. ولكن هذه الوصية كانت متضمنة من قبل، في الميثاق الأصلي الذي عقده الله مع البشرية، بعد العقاب المطهّر الذي أحدثه الطوفان نتيجة لانتشار الخطيئة والعنف (تك9 / 5-6).
إن الله يعلن سيدته على حياة الإنسان الذي فطره على صورته ومثاله (تك1 / 26-27). ومن ثم فالحياة البشرية تملك طابعاً من القدسيّة والحصانة، تنعكس فيه حصانة الخالق نفسه. وعليه، فإن الله سوف يحكم حكماً شديداً على كل انتهاك لوصية "لا تقتل!"، التي أقامها الله في أساس كل تعايش في المجتمع. إنه "غوئيل" أي المدافع عن البريء (تك 4 / 9-15، أش 41 / 14، إر 50 / 34، مز 18 / 5). وهكذا يبيّن الله أيضاً أنه "لا يسرّه موت الأحياء" (حك 2 / 24). "كان منذ البدء مهلكاً للناس.. وكذاباً وأبُ الكذب" (يو8 / 44): إنه يخدع الإنسان ويسوقه إلى الخطيئة وإلى الموت مزيّناً له أنهما غاية الحياة وثمرتها.
54- وصية "لا تقتل" تملك صراحة معنىً سلبياً شديداً: فهي تبيّن الحدّ الأقصى الذي لا يمكن أن نتخطاه، ولكنها، ضمنياً، تحمل الإنسان على أن يتمسّك بموقف إيجابي من الاحترام المطلق للحياة يفضي به إلى تعزيزها والتقدم في طريق المحبة وما تقتضيه من بذل وانفتاح وخدمة. فشعب الميثاق كان قد أخذ ينضج في هذا الاتجاه، بالرغم مما تعثّر فيه من تباطؤ وتناقض، متأهّباً بذلك لما أعلنه المسيح إعلاناً سامياً من أن محبّة القريب وصية تضاهي وصية محبة الله: "بهاتين الوصيتين ترتبط الشريعة كلها والأنبياء" (متى 22 / 36-40). ويؤكد بولس "أن الوصية التي تقول...... لا تقتل...... وسواها من الوصايا تتلخص في هذه الكلمة: "أحبب قريبك حُبَك لنفسك!" (روم 13 / 9، غل 5 / 14). وصية "لا تقتل!" التي استعادتها الشريعة الجديدة وكمّلتها تظلُ شرطاً لا يمكن التخلّي عنه لدخول الحياة" (متى19 / 16-19). من هذا الملحظ أيضاً تكتسب كلمات الرسول يوحنا معنىً حاسماً: "من أبغض أخاه فهو قاتل. وأنتم تعلمون أن ما من قاتل له الحياة الأبدية فتقيم فيه" (1يو 3 / 15).
وصية "لا تقتل" قد ذكّر بها التقليد الحيّ في الكنيسة، منذ بزوغه، بطريقة قاطعة، كما تشهد بذلك الذيذاخيا وهي أقدم وثيقة مسيحية غير كتابية: "ثمة طريقان: طريق الحياة وطريق الموت، بيد أن البون شاسع بين الطريقين [....] إليك الآن طريق الموت: الذي لا يشفق على الفقير، ولا يعبأ ولا يؤمن بخالقه: هؤلاء يحبطون عمل الله فيصدّون المحتاج ويرهقون المظلوم، يذبّون عن الأغنياء ويحكمون ظلماً على المساكين. إنهم طغمة العصاة المزمنين! عساكم، يا أبنائي، أن تظلوا بمنأى عن كل هذا" (42).
لقد علّم التقليد الكنسي دوماً، عبر الأزمنة وبالإجماع، وصية "لا تقتل" ونادى بقيمتها المطلقة والدائمة. ونعلم أن القتل، في القرون الأولى من تاريخ الكنيسة، كان يُعدّ في لائحة الكبائر الثلاث – مع الجحود والزنى – ويستتبع عقاباً علنياً بالغ المشقة والمدة قبل أن يُمنح القاتل التائب الصفح والعودة ثانية إلى حضن الشركة الكنسيّة.
55- ولا غرابة في ذلك، فقتل الكائن البشري الذي تَمثُلُ فيه صورة الله خطيئة بالغة الخطورة. فالله وحده سيّد الحياة. ولكننا كثيراً ما نلحظ لدى الأفراد وفي المجتمع حالاتٍ مأساوية قد حملت المؤمنين منذ القِدَم على تدبّرها للبلوغ إلى تفهّم أكمل وأعمق لما تحرِّمه وصيّة الله وتأمر به (43). هناك أوضاع تبدو فيها القيم المتضمنة في الشريعة الإلهية على شيء من التناقض. تلك هي، مثلاً، حالة الدفاع المشروع عن النفس وفيها تظهر مشقة التوفيق عملياً بين حق الدفاع عن الحياة وواجب الامتناع عن إلحاق الأذى بحياة الآخرين. ومما لا شك فيه أن قيمة الحياة في ذاتها والواجب الذي يلزمنا بأن نحب نفسنا كما نحبَّ الآخرين يخوّلاننا حقاً صريحاً في أن ندافع عن نفسنا. هذه الوصية التي تفرض علينا محبّة الآخرين والتي أقرّها العهد القديم وثبّتها يسوع تفترض محبة الذات المقترنة بها: "أحبب قريبك حُبّك لنفسك" (مر12 / 31). لا يسوغ إذن لأحد أن يتخلّى عن حقّه في الدفاع عن نفسه انطلاقاً من زهدنا في حب الحياة أو في حب نفسنا، ولكن انطلاقاً فقط من محبة بطوليّة تُعمِّق وتُجلّي محبة الذات انسجاماً مع روح التطويبات الإنجيلية (متى5 / 38- 48) ومع روح العطاء الكامل الذي نجد له مثالاً أعلى في سيرة الرب يسوع.
من جهة ثانية قد يكون "الدفاع عن النفس لا مجرّد حقّ وحسب، بل واجب ثقيل على من يحمل مسؤولية حياة غيره أو مسؤولية الصالح العام في الأسرة أو في الوطن"(44). فقد يتفِق أحياناً، - ويا للأسف!- أن ضرورة صدّ المعتدي عن الإيذاء تفرض أحياناً التخلّص منه. في مثل هذه الحال يجب أن نعزو هذا المخرج المميت إلى المعتدي نفسه الذي عرّض له ذاته وإن اتفق له أن لا يكون مسؤولاً، أدبياً، عن عمله، بسبب قصورٍ في استعمال عقله (45).
56- من هذه الزاوية أيضاً يجب أن ننظر إلى مسالة الحكم بالإعدام التي نلحظ، في شأنها، في الكنيسة كما في المجتمع، نزعةً متنامية إلى المطالبة بتطبيقها بطريقة محدودة جداً، أو حتى بإلغائها. هذه المعضلة يجب أن نبحثها في إطار عدالة اقتصاصية أكثر انسجاماً مع كرامة الإنسان ومع إرادة الله، نهايةً، في الإنسان والمجتمع. والواقع أن ما يُنزله المجتمع من قصاص، غايته الأولى وضع حدٍ للفوضى الناجمة عن الخطأ (46). فالسلطات العامة عليها أن تواجه بالصرامة كل انتهاك للحقوق الشخصية والاجتماعية، فتنزل بالمجرم ما يعوّض به عن خطئه تعويضاً مناسباً، شرطاً للسماح له بأن يتمتع ثانية بحريته. بهذه الطريقة، تتمكن السلطة أيضاً من أن تهدف إلى صيانة النظام العام وأمن الأفراد، وأن توفّر للمذنب، في الوقت نفسه، حافزاً وعوناً للتأدب والاصطلاح (47).
للبلوغ إلى كل هذه الأهداف، لا بدَّ من أن يُقدَّر ويُحدَّد بدقة حجم العقوبة ونوعها، ولا يمكن أن يفضيا إلى الحد الأقصى بالإجهاز على المذنب إلاّ في حالة الضرورة المطلقة، عندما تتعذّر حماية المجتمع بطريقة أخرى. ولكن هذه الحالات أصبحت اليوم نادرة بل شبه معدومة، بسبب ما تحقق من تقدم فعّال في تنظيم المؤسسة الجزائية.
في كل الأحوال يبقى المبدأ المثبت في كتاب التعليم المسيحي الكاثوليكي الجديد صالحاً في ما ينصّ عليه من أن "الوسائل اللادمويّة إذا أفلحت في حماية الناس من شرّ المعتدي والذود عن النظام العام وأمن الأفراد، فعلى السلطة أن تكتفي بها لأنها أكثر تلبية للخير العام في ظروفه الواقعيّة، وأكثر مراعاة لكرامة الشخص البشري" (48).
57- إذا كان لا بدَّ إذن من أن نولي كلَّ حياة، حتى حياة المذنب والمعتدي الغاشم، مثل هذا الاحترام، فوصية "لا تقتل" تكتسب قيمة مطلقة عندما توصي بالبريء. ويصح هذا خصوصاً في الإنسان الضعيف والأعزل الذي لا يجد إلاّ في مطلقيَّة الوصية الإلهية حماية أكيدة تردع عنه تحكّم الآخرين واستبدادهم.
ولا غرو فالحصانة المطلقة التي تتمتع بها الحياة البشرية البريئة، قد نادى بها الكتاب المقدس، وثبت عليها التقليد الكنسي وأجمعت عليها السلطة التعليمية. هذا الإجماع هو ثمرة ثمرات "حاسة الإيمان الفائقة الطبيعة التي يوقظها الروح القدس ويسندها والتي تعصم شعب الله من الضلال وتضفي على الحقائق الإيمانية والأدبية صفة الإلزام الإجماعي"(49).
في مواجهة ما نلحظه في النفوس والمجتمع من تضاؤل الشعور بلا شرعية الإجهاز المباشر على كل حياة بشرية بريئة، ولا سيما في بدايتها أو نهايتها، وعدم الاكتراث بخطورته المطلقة، عمدت السلطة التعليمية في الكنيسة إلى تكثيف تدخلاتها للذود عن الحياة البشرية وما يميّزها من قدسية وحصانة. ولقد انضمّ دوماّ إلى السلطة التعليمية الحبرية المُلحَّة، سلطة الأساقفة وما صدر عنها من وثائق تعليمية ورعوية كثيرة وخطيرة، سواء من قبل المجالس الأسقفية أم من قبل أساقفة أفراد، علاوة على الوثيقة البليغة والمقتضبة التي صدرت عن المجمع الفاتيكاني الثاني(50).
وعليه فبالسلطة التي سلَّمها المسيح إلى بطرس وخلفائه، وبالشركة مع جميع أساقفة الكنيسة الكاثوليكية، أثبّتُ أن كل من يقتل كائناً بشرياً بريئاً قتلاً مباشراً ومتعمَّداً يرتكب خطأً فادحاً. هذه العقيدة المرتكزة على الشريعة غير المكتوبة التي يكتشفها كل إنسان في قلبه في ضوء العقل (رو2 / 14- 15) يرسّخها الكتاب المقدس ويتوارثها التقليد الكنسي وتُمليها السلطة التعليمية العادية والجامعة(51).
كل نيّة تتعمّد الإجهاز على حياة بشرية بريئة هي دوماً عمل سيءٌ من الناحية الأدبية، ولا يمكن قط تسويغها لا كهدف ولا كوسيلة لهدف جيّد. إنها انتهاك ثقيل للشريعة الأدبية، بل هي تمرّد على الله بالذات خالقها وحاميها. وهي تناقض فضيلتيّ العدالة والمحبة مناقضة جوهريّة: "ليس ثمة شيء ولا أحدٌ بإمكانه أن يسوّغ قتل كائن بشري بريء، أنطفةً كان أم جنيناً، طفلاً أم بالغاً، مُسنّاً أم مريضاً مزمناً